Get Adobe Flash player
Facebook Twitter Google Bookmarks RSS Feed 

إن فلاح وفوز ونجاح جميع الإنس والجن هو فقط في إمتثال أوامر الله عز وجل، على طريقة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

ونؤكد لأنفسنا وللجميع أن النت أو القراءة هي حوافز وتعليم ولا تغني عن تحريك الأقدام ومفارقة الأهل والأوطان لإعلاء كلمة الله فينا وفي العالم

فهكذا يتم تحصيل ونشر الدين

 
بسم الله الرحمن الرحيم
malfozat

كلمة المترجم

الحمد لله حمداً كثيراً طيبا مباركا فيه, اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة تكون لك رضى وله جزاء ولحقه أداء وأعطه الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود الذي وعدته واجزه عنا ما هو أهله، واجزه أفضل ما جازيت نبياً عن قومه ورسولا عن أمته. وصل على جميع إخوانه من النبيين والصالحين يا أرحم الراحمين.

 

 

أما بعد: فأحمد الله تعالى على أن وفقني أن أكمل ترجمة ملفوظات الشيخ محمد إلباس رحمه عليه كلها من أولها إلى آخرها من اللغة الأردية الى اللغة العربية التي جمعها ورتبها الشيخ محمد منظور النعماني رحمه الله، وإنني كما ذكرت في المقدمة الطبعة الأولى إنني استعجلت في طباعتها وهي ناقصة التي لم تطبع منها إلا ستة أقساط، وعند مراجعتي لتصحيحها وجدت فيها أخطاء كثيرة جداً فحاولت إن أدرك جميع الأخطاء في هذه الطبعة الكاملة، ومع هذا أدعى بأنه لا توجد أخطاء قط لأنه لا عصمة إلا لكتاب الله، وإنما هذا جهدي وأسأل الله التوفيق والسداد

أما الترجمة فكما ذكرت في المقدمة الأولى أنني لست أدبيا ولا مؤلف صاحب مؤلفات ولغتي العربية هي أمام أنظاركم، وكما ذكرت في المقدمة السابقة: أنني إهتمت في ترجمتها كما هي تماما من غير زيادة مني ولا نقصان، ولأنني أضفت من عندي بعض الكلمات المستقلة شرحاً وتوضيحاً فميزتها بكلمة (أقول) في المتن والحاشية.

أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا لأمة الإسلامية، واجعل الله تعالى في نحور الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه وأعوذ بالله من شرور الذين يبغون الفتنة اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصخبه وسلم.





بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الأولى


الحمد لله الرحمن الذي خلق الإنسان علمه البيان، والصلاة والسلام على خير البرية ولأنام، سيدنا محمد وعلى آله وصحبابته البرر الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيام.

أما بعد: إن بعد وفاة الشيخ إنعام الحسن رحمه الله تأثرت جداً فبدأت أطالع كتيباً بأسم "ملفوظات الشيخ محمد إلياس رحمه الله " التي جمعها ورتبها الشيخ محمد منظور النعماني باللغة الأردية وهو مطبوع ومنتشر جداً في الهند والباكستان، فأثناء مطالعتي وجدت أن أحوالنا ومقاصدنا ونياتنا لا زالت تتباين وتتباعد مع تباعد زمن المؤسس لهذه الدعوة والتبليغ ـ رحمه الله ـ فوقع في نفسي أن لو أترجمه بالعربية لعله يكون نافعاً قدوة لإخواني العرب فذكرت رأيي عند بعض الأحباب المخلصين فأصر أحد الاخوة في الله وألح على ذلك ولم يفارقني حتى أخذ مني العهد فواعدته أن أشرع في ترجمته، فمتوكلا على الله شرعت فيه بطيئا قليل التوفيق لكثرة ذنوبي، وفجأة لما علمت أن اجتماع رائيوند قرب وقته، وأنا لم أترجم إلا نصفه تقريباً، مرت السنة كذوبان الثلج، فمكثت متحيداً متفكراً نادماً على كهلي وكسلي، فتذكرت قول أستاذي وشيخي في الحديث الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي ـ رحمه الله ـ عن مؤلفاته " بأن الطبعة الأولى كنت استعجل في إخراجها كيف ما تكون لأنها لا تخلو من المنفعة، ثم تصحيحها وتنقيحها فلها رجال ووقت سوف يجتهدون فيها رجال ووقت سوف يجتهدون فيها فيما بعد، فبذا لي آت لاجتهاد في طباعة هذا النصف الذي قد ترجمته قبل هذا الاجتماع الذي لم يبقى منه الاعشرون يوما تقريباً

وأنني لست أديباً ولا مؤلفا ولغتي العربية عامية وهذه حقيقة وليس تواضعاً مع هذا أرجو من الله أن هذه الملفوظات لم تخلو من نفعها ولا يوجد وقت قط لمراجعتها لدى أصحاب الأدب واللغة والمؤلفين،فعزمت متوكلا على الله الاهتمام بطباعتها كما هي، فالآن هي مائة وعشرة ملفوظة المتجرئة على ستة أقساط من إجمالي مائتين وأربعة عشر ملفوظة وأحد عشر قسطاً،فيبقى مائة واربعة ملفوظة على خمسة أقساط، فإن شاء الله لو كتب العمر والتوفيق سأكمل ترجمة هذه الملفوظات كلها بأسرها، وإنني اهتممت في ترجمتها كما هي تماما من غير زيادة ولا نقصان،ولأنني أضفت من عندي بعض الكلمات المستقلة شرحاً وتوضيحاً فميزتها بكلمة (أقول) في المتن أو الهامش.

ارجوا من إخواني بأن لا يبخلوا بإخباري عن أخطائي في هذه الطبعة ليتمكن من إصلاحها عند طباعة الكتيب بكامله فيما بعد إن شاء الله تعالى، كما أرجو أن تذكروني في دعواتكم الصالحة وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.



بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة موجزة عن الشيخ محمد إلياس رحمه الله


هو الشيخ محمد إلياس بن محمد إسماعيل بن غلام حسين بن كريم بخش من أسرة معروفة في العلم والتقوى والورع في القارة الهندية من القدم من أسرة عربية الأصل، تعود سلالتها إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وهذه الأسرة تسكن في مدينة جنجهانة ونصفهم في مدينة كاندهلة، وكان الشيخ إسماعيل والد الشيخ محمد إلياس قد تزوج في مدينة جنجهانة التي يسكنها وتوفيت زوجته بعد أن ولد منها أبن أسمه محمد، وقدم الشيخ إسماعيل يوما إلى كاندهلة في مناسبة زواج في الأسرة وخطب الشيخ إسماعيل في تلك المناسبة حسب رغبة الأسرة لأنه كان معروفاً في العلم والفضل والتقوى وكان مستجاب الدعوات, فقالت جدة الشيخ إلياس (اعني والدة أمه)لزوجها (أي لوالد أمه) أن لو زوجنا ابنتنا الكبرى من ابن أسرتنا هذا محمد إسماعيل العالم الخلق، فزوجوه وزفوا ابنتهم في نفس السفرة، فبعده اختار الشيخ إسماعيل الإقامة في كاندهلة بين أسرته هذه، فولد له من هذه الزوجة ابن اسمه الشيخ محمد يحيى في محرم عام 1288هـ وهو والد الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي شيخ الحديث بجامعة مظاهر العلوم بسهارنفور وصاحب المؤلفات الكثيرة التي تزيد على أكثر من مائة مؤلف منها (أوجز المسالك في شرح موطأ الإمام مالك) و(تبليغي نصاب)(أي فضائل الأعمال)باللغة الأردية المعروف في العالم كله.

ثم بعد خمسة عشر سنة من ميلاد شقيقه الشيخ محمد يحيى في عام 1303هـ ولد له الشيخ محمد إلياس رحمه الله مؤسس هذه الدعوة والتبليغ، وكان لأحد الصلحاء المدعو / مرزا إلهي بخش قصر (فلة) في نظام الدين بنيو دلهي، وبنى مسجداً بجوار الفلة فطلب من هذه الأسرة التي كانت معروفة في العلم والتقوى أنه يحتاج إلى مدرس صالح ليدرس أولاده الصغار في ذلك المسجد (المعروف ببنغلة والي مسجد) أي مسجد أبو الفلة بنظام الدين، وكانت المنطقة حينئذ خالية من العمران، فقرر الشيخ إسماعيل أن يقيم هناك فيعلم الطلبة الصبيان القرآن الكريم على روبيتين هنديتين شهرياً فلما رأى الشيخ إسماعيل أنه كيف يفعل في الصلوات لأنه لم يكن هناك أحد يصلي برفقته الصلوات في الجماعة وكان يذهب عند التقاطع الذي بجوار مقبرة همايون لأن أهل ميوات المسلمين كانوا ينزلون عند البوابة ثم يذهبون إلى سوق دلهي لكسب المعاش فمن كان يجده الشيخ إسماعيل هناك يأتي به إلى المسجد بعد أن يسأله أنك إذا ذهبت دلهي للعمل هناك كم سيكون مبلغ الأجر اليومي فيقول: آنتين (أي قرشين هنديين) فيقول له: اليوم أعطيك الأجرة فتعال معي فيأخذه إلى المسجد طول اليوم فيعلمه الإيمان وأحكام الشرع ويصلي معه الصلوات جماعة، فهكذا كان يصرف جميع راتبه بل وأكثر منه على أهل ميوات، وكان الشيخ إسماعيل يطلب مصاريفه من أسرته لأنه كان لهم دخل متوسط من مزارعهم فاستمر الشيخ بدعوته هكذا إلى العمال الميواتيين، فلما زاد عدد الميواتيين صلحت أحوالهم الدينية صاروا لم يقبلوا أي مبلغ لتعليم الدين فصار الذين يعودون إلى ميوات يرسلون أناساً ليتعلموا أمور دينهم من الشيخ، وطلب الشيخ ابنه الأكبر محمد عنده ودرسه العلوم الدينية ثم ابنه الثاني محمد يحيى ودرسه العلوم الدينية وهو مقيم في نفس هذا المسجد بنظام الدين. ولتكميل دورة الحديث (أعني الصحاح الستة والموطئين والطحاوي) ليتخرج عالماً، أرسله والده إلى مدينة كنكوه عند العالم الجليل العالم الرباني المربي المصلح الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي ورافقه أهله وشقيقه محمد إلياس وقد توفي والده الشيخ محمد إسماعيل وتولى مكانه ابنه الأكبر الشيخ محمد وأستمر الميواتيون حتى استأنسوا ذلك المسجد ثم بعدها شب الشيخ محمد إلياس وبعد وفاة الشيخ الكنكوهي عين الشيخ محمد يحيي مدرساً في جامعة مظاهر العلوم بأمر الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (وهو العالم الجليل المربي الذي كان من أجل خلفاء الشيخ رشيد احمد الكنكوهي) وأسكن معه أهله وأبنه الشيخ محمد زكريا وشقيقه الشيخ محمد الياس أسس بسهارنفور مكتبة باسم (يحيوي كتب خانه)وأدام الإقامة بسهارنفور.فلذا الشيخ محمد يحيى بعد وفاة شيخه الكنكوهي بايع الشيخ خليل أحمد السهارنفوري الذي شرح السنن لأبي داود باسم (بذل المجهود في حل أبي داود) وكذلك الشيخ إلياس بايع الشيخ خليل أحمد والشيخ محمد زكريا أيضاً بايعه،وقد نال هؤلاء الثلاثة الإجازة منه وأصبحوا من أجل خلفائه، وتعلم الشيخ محمد إلياس بجامعة مظاهر العلوم حتى تخرج عالماً، ورافق شيخه في سفرة الى الحجاز للحج للمرة الثانية ورأى في المنام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له:سنأخذ منك عملاً دينياً في الهند، ثم بأمر شيخه الشيخ خليل أحمد عاد الى الهند ومكث الشيخ خليل أحمد بالمدنية حتى وافاه الأجل ودفن بالبقيع الغرقد،وعاد الشيخ محمد إلياس خائفاً مهموماً من الرؤيا فما يدري ما المراد بالعمل الذي سيؤخذ منه،فتوفى أخوه الأكبر الشيخ محمد بنظام الدين فتولى الشيخ محمد إلياس مكانه بذلك المسجد وقد كان أهل ميوات مستأنسون بوالده وأخيه فأصروا أن يبقى إلياس في ذلك المسجد، فاخذ الشيخ مركزاً له وبدأ دعوته بمنطقة ميوات مع أنها هي من أحط المناطق الهندية خُلقاً وأبعدها من الدين وأعظمها جهالة وضلالة ودعا الناس فيها إلى الانقطاع عن أشغالهم والخروج من أوطانهم لمدة محدودة وقد تكون أربعين يوماً أو أكثر، وعرف أنهم لا يتعلمون الدين ولا يتغيرون في الأخلاق إلا إذا أخرجوا من هذا المحيط الفاسد الذي يعيشون فيه، وقد قبل دعوته مئات وألوف هذه المنطقة وخرجوا شهوراً وقطعوا مسافات بعيدة ما بين شرق الهند وغربها وشمالها وجنوبها ركباناً ومشاة فتغيرت أخلاقهم وتحسنت أحوالهم واشتعلت عواطفهم الدينية ثم أمر أمرُ الدعوة خلال مدة زهاء خمسة عشر سنة حتى توفى الشيخ رحمه الله رحمة واسعة ثم كان ابنه الوحيد الشيخ محمد يوسف وزميله الشيخ محمد إنعام قد أخذا الحديث من الشيخ محمد زكريا في جامعة مظاهر العلوم بسهارنفور وزوجهما الشيخ محمد زكريا ابنتيه في يوم واحد وكانا عالمين راغبين في العلم، وألف الشيخ محمد يوسف كتابه الجليل ((حياة الصحابة)) وهو معروف بين الناس، وكذلك ألف شرح شرح معاني الآثار للطحاوي المسمى بـ ((أماني الأحبار)) فأمرهما الشيخ محمد زكريا أن يبايعا الشيخ محمد إلياس فبايعاه ثم نالا الخلافة منه، فبعد وفات والد الشيخ محمد يوسف جُعل أميراً على هذه الجماعة، وبعد جهد عشرين سنة بلغ أمر الدعوة إلى مشارق الأرض ومغاربها ولم يكن في العالم بلد إلا ورجال الدعوة والتبليغ وصلوه، ثم بعد وفاة الشيخ محمد يوسف وُلِّي الأمر إلى صاحبه ورفيق حياته الشيخ إنعام الحسن بن الشيخ إكرام الحسن بن الشيخ رضى الحسن وهذا أي جد الشيخ أنعام الحسن قد تزوج من شقيقه الشيخ محمد إلياس وولد منها الشيخ إكرام الحسن.

وهو من نفس هذه العائلة العربية الأصل الصديقة فقام الشيخ إنعام الحسن بأداء واجبه في خدمة الدعوة والتبليغ ثلاثين سنة كواملة حتى لم تخلو مدينة ولا قرية في العالم إلا وأهل الدعوة والتبليغ وصلوها فيدعون الناس إلى نور الإسلام ويبلغون أوامر الله ويخرجونهم من الظلمات إلى النور - بتوفيق منه سبحانه - ليسلكوا طريقاً سهلاً إلى الجنة.

وصلى الله على سيدنا ومحمد وآله وصحبه وسلم.



بسم الله الرحمن الرحيم

(1) قال الشيخ رحمه الله: كانت أحوال أمم الأنبياء عامة بأنه كلما بعد عنها زمن النبوة فتصبح أمورها الدينية خالية من الروح والحقيقة بحيث تصبح كعادات تقليدية محضة، فكانت تأديتها كعادة تقليدية.

فلإصلاح هذه الضلالة كانت تبعث الأنبياء الذين كانوا يبطلون هذه العادات التقليدية ويرشدون الأمة إلى الحقيقة الواقعية وروح الشريعة الحقيقة.

فأخيراً لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت حالة الأقوام التي كانت لها علاقة بالأديان السماوية في زمانه صلى الله عليه وسلم نفس تلك الحالة المذكورة بأن الأمور الدينية التي بقيت لديها مما أتو به أنبياؤهم كأنها عادات تقليدية خالية من الروح، فكانت تظن أنها هي الشريعة وأصل الدين.

فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المألوفات التقليدية فقام بتعليم أصل حقائق الدين وأحكامه، وأن الأمة المحمدية أيضاً ابتليت في هذا المرض حتى في عباداتها أصبحت تقليدية إلى حد أن تعليم الدين أيضاً الذي كان من المفروض أن يكون سبباً لإصلاح جميع مثل هذه المفاسد فأصبح في بعض المدن عادة تقليدية، ولكن لأن سلسلة النبوة قد انتهت الآن فمسئولية مثل هذه الأمور حملت على علماء الأمة الذين هم نائبوا النبي صلى الله عليه وسلم، فإنما الواجب عليهم أن يركزوا إلى إصلاح ذلك الضلال وفساد الحال.

وطريقته هو تصحيح النية: لأن الأعمال لا تصير عادات وتقاليد إلا عند عدم الِّلاهيّة والإخلاص وفقدان شأن العبودية، فبتصحيح النية يعود تجاه الأعمال إلى الله البتة، فتتولد فيها الحقيقة بدل العادات الروتينية، فيكون صدور جميع الأعمال بالحماسة على العبودية وعبادة المعبود (1)

فالمقصود أن أهم واجب علماء هذه الأمة الحاملين للدين في هذا الزمن أن يبذلوا جهدهم في تركيز اتجاه الناس إلى تصحيح نياتهم

ويحاولوا أن يتولد فيهم الإخلاص والِّلاّهيّة والحقيقة في الأعمال.

(2) قال الشيخ رحمه الله: قد أذيع في القرآن والحديث باهتمام خاص أن الدين يُسرٌ (أعني يسيرٌ وسهلٌ) فيقتضى هذا أن كلما كان الأمر أهماً من الآخر كان أيسراً حسب أهميته.

فلأن تصحيح النية والإخلاص لله من أهم الواجبات في الدين، بل من روح جميع أمور الدين فلذا هذا سهل جداً ولأن هذا الإخلاص لله هو حاصل ومقصود السلوك والطريق كله، فعلم من هذا بأن السلوك أيضاً أمر سهل، ولكن ليعلم أن جميع الأمور بأصولها وبطرقها الوضعية تكون سهلة، فمهما كانت الأمور يسيرة فإذا صيرت بغير طريقتها فحينئذ تتعسر.

فمن خطأ الناس الآن أنهم يرون التقليد على الأصول هو الصعب فيتهربون منه مع أن مهما كان الأمر يسيراً لم يبلغ مرامه إلا بالتمشي على تقليدات أصوله، فالطائرة والباخرة والقطار والسيارة لا تسير إلا بالأصول حتى الطبيخ والخبز لم يجهز إلا بالأصول.

أقــول: إذا تقيدنا بالأصول بتصحيح النية والإخلاص وترسيخ الإيمان في القلب لنكون مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به (1) فيتحقق لنا أن الدين يسرٌ.


(3) قال الشيخ رحمه الله: إن الطريقة غايتها خاصة (وهي) أن تصبح أحكام الله تعالى وأوامره هواه ورغبته الطبيعية وتصبح النواهي كريهة له في نفسه (يعني يحس باللذة والفرحة عند امتثال الأوامر الإلهية ويتأذى ويكره من أن يقرب النواهي) فهذه غاية الطريقة.

أما الأعمال (الأخرى أعني الأذكار والأشغال والأعمال بطرق خاصة) فهي وسيلة لتلك الغاية.

ولكن الآن كثير من الناس يظنون أن هذه الوسائل هي أصل الطريق مع أن البعض منها بدعة.

فعلى كل حال لأن هذه الأشياء وسائل محضة وليست مقصودة بذاتها، فلذا يمكن ينظر إليها فيلزم أن تتغير وتتبدل حسب المصلحة، وأما الأعمال المنصوص عليها في الشرع فيجب العمل عليها في جميع الأزمنة سواء.

(4) قال الشيخ رحمه الله: إن منزلة الفرائض أعلى بكثير من درجة النوافل بل نعتقد أن المقصود من النوافل هو تكملة الفرائض أو تلافي النقائض التي تحصل في تأدية الفرائض فالمقصود أن الفرائض أصلٌ توابعها وفروعها (1)

ولكن أحوال بعض الناس أنهم لا يهتمون في الفرائض وينشغلون باهتمام كبير في النوافل.

فكما أنكم تعلمون أن الدعوة إلى الخير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقصودي أن جميع شعب التبليغ من أهم الفرائض، ولكن كم عدد الذين يؤدون هذه الفريضة.......؟، وأما المشتغلين والمنهمكين في (الأعمال أو العبادات) والأذكار النفلية ليسوا بقليل.

(5) قال الشيخ رحمه الله: إن بعض أهل الدين وأصحاب العلم قد وقعوا في خطأ كبير في باب الاستغناء بأنهم يظنون أن مقتضى الاستغناء أن لا يتلاقى مع الأغنياء وأهل الثروة مطلقاً وأن يتحاشا من اختلاطهم كلياً.

مع أن المقصود من الاستغناء هو أن لا نذهب إليهم لحاجة المال فقط وأن لا نخالطهم لطلب الجاه والمال، أما لقصد إصلاحهم وللمقاصد الدينية لم تكن تلاقيهم ومخالطتهم منافية للاستغناء قطعياً، بل هذا من الأمور الضرورية من حيث مرتبتها، نعم لنكن مستيقظين من أن لا يتولد في أنفسنا حب المال وحب الجاه.

(6) قال الشيخ رحمه الله: عندما يحاول أحد أن يتقدم في أمر الخير، فالشيطان يزاحمه بطرق مختلفة ويجعل له معوقات في طريقه، فعندما يفشل الشيطان في تلك المعوقات ويتجاوزها ذلك العبد كلها ويشرع في الأمر فحينئذ تكون محاولة الشيطان الثانية إما أن يفسد نيته وإخلاصه أو يحاول أن يكون هو شريكاً له فيها بطرق أخرى بأن يحببه الرياء والسمعة. أو بمكره يحاول أن يحبط للاِّهيّته فأحياناً يفوز في محاولته.

فلذا يجب على الذين يعملون في مجال أمور الدين أن يكونوا مستيقظين من هذا الخطر في كل حين وأن يحفظوا قلوبهم من مثل هذه الوساوس الشيطانية في كل وقت، وأن يراقبوا نياتهم بصفة دائمة لأنه لو اشتمل في أي عمل من الأعمال غرض غير رضا الله سبحانه وتعالى - في أي وقت من الأوقات (فحبط ذلك العمل) فيكون غير مقبول عند الله تعالى -

(7) قال الشيخ رحمه الله: إن في كثير من المدارس الدينية توجد غفلة كبيرة ونقص، بأنهم يُدرِّسُون الطلبة ولكن بدون أن يجتهدوا في أن ينشغلوا في أصل مقصود التعليم وهو خدمة الدين والدعوة إلى الله بعد التخرج.

فنتيجة هذه الغفلة أن كثيراً من المتخرجين مطمح نظرهم الحصول على المعاش فقط فإما يلتحقون في الطب أو يتقدمون بالجامعات الحكومية للامتحانات، فيختارون التدريس في المدارس الانجليزية العامة فما صرف في تعليمهم من وقت ومصاريف وجهد فمن حيث النتيجة يصبح هباء منثوراً بل أحياناً يكون في مصالح أعداء الدين.

فلذا ليكن اهتمامنا الأكبر بأن الطلبة يتخرجون بعد التعليم بأن لا ينشغلوا إلا في خدمة الدين، وأن يؤدوا حقوق الدين لأنه لو لم يحصد من مزرعتنا شيء فهي خسارة وأما إذا حصد واستفاد منه أعدائنا فالخسارة أعظم.

(8) قال الشيخ رحمه الله: إن الامتحانات ((مولوي فاضل)) (1)

التي تقوم بها الجامعات الحكومية فإن ضررها وقباحتها نحن لا ندركها جيداً ولا نحس بها، فإنها عامة تؤدى هذه الامتحانات ليتمكن بها من الحصول إلى الوظيفة في المدارس الإنجليزية العامة، فمعنى هذا أن نظام التعليم الذي عممته الحكومة (الهندية) الكافرة لمصالحها، ومقاصدها وراء هذا من إقامة امتحانات (مولوي فاضل وغيره) لإكمال مقاصدها أن يكونوا هؤلاء الممتحنون معاونوها في نظامها الكفري بل ليصبح لها فيه استحقاقاً لتستعمله كجهاز لها بالأجرة.

فليعمق النظر: أي ظلم أكبر من هذا على علم الدين؟ وأي استعمال أكبر غلطاً من أن يكونوا خدماً لنظام تعليم أعداء الدين فإنه يُفهَمُ من هذا أنهم يحاولون بهذه الامتحانات أن يغيروا نسبة علم الدين بعدما كان العلم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فتصير نسبته إلى الكفار والحكومة الكافرة فلذا هذا الأمر خطيرٌ جداً.

(9) قال الشيخ رحمه الله: إن أول وأهم مقتضى العلم أن يحاسب المرء حياة نفسه، بأن يعلم ما عليه من الفرائض وأن يفهم تقصيراته في الدين فيجتهد في أدائها (كما هو حقها)، وأما من استغنى عن هذا فبدأ يراقب ويحاسب غيره بسبب علمه ويحصي أخطاء غيره وينسى نفسه فحينئذ يكون هذا كبرٌ وغرورٌ علمي الذي هو هلاك كبير لأهل العلم.

(10) قال الشيخ رحمه الله: بينما هو في مناقشة موضوع أن المسلمين لماذا لم يتمكنوا على الحكم والدولة، قال: ما دمتم غير منفذين أحكام الله ونواهيه على أنفسكم وعلى حياتكم المنزلية الذي هو اختيار أنفسكم ولا يوجد معوق فيه فكيف يولى إليكم نظام وتنسيق الدنيا - لأن غاية الله من تولية حكم الأرض هو أن تنفذوا مرضاة الله وأحكامه في الأرض (1)، فلما تكونوا منفذين هذا فيما هو في ملككم اليوم فبتمكين الدولة في أيديكم غداً فماذا يكون الأمل فيكم؟


(11) قال الشيخ رحمه الله: إن الناس الذين يظن فيهم أنهم موفون وحامون للدولة، ففي الواقع أنهم ليسوا وافون ولا حامون لأحد بل هم في الأصل وافون لأغراضهم الذاتية.

نعم لأن اليوم أغراضهم الدنيوية تستوفي من الدولة الحالية فلذا هم وافون ويحامون لهذه الدولة ولكن إذا بدأت أغراضهم غداً تستوفى من أعداء الدولة فحينئذ هم هؤلاء الذين يصبحون حامين ووافين لأولئك الأعداء مثل ما هم مع هؤلاء الآن. فالحقيقة أن مثل هؤلاء هم عُبّاد المصلحة ولم يكونوا أوفياء حتى لآبائهم.

فطريقة إصلاح مثل هؤلاء الناس ليست بمخالفتهم ولا بتحريضهم على مخالفة الدولة، بل إن أصل الداء الذي فيهم هو عبادة المصلحة فما دامت هذه الخصلة موجودة فيهم وإن خالفوا الدولة فهي لمصلحتهم المادية، فهم لأغراضهم المادية يصبحون أوفياء لقوة أخرى، فلذا العمل في مثل هؤلاء هو أن تولد فيهم عبادة الله بدل عبادة المصلحة ويجتهد فيهم بأن يصبحوا أوفياء الله الصادقين لدينه، فلا علاج لمرضهم غير هذا.

(12) قال الشيخ رحمه الله: هذه قاعدة كلية بأن الشخص لا يتحصل على الراحة النفسية إلا بعد الحصول على رغبته وما يشتهيه، فمثلاً أن شخصاً ثرياً إنما رغبته في الأطعمة اللذيذة والثياب الثمينة فهذا الشخص لا يرتاح نفسياً إلا بالحصول على تلك الرغبات.

وأما من كانت رغبته في الجلوس على الخسف، والنوم على الحصير واللبس العادي والأكل العادي فهذا الشخص يتحصل على الراحة والطمأنينة بهذه الأشياء.

فأما الذين قد رغبوا في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة العادية فإنما لذتهم وراحتهم في تلك الحياة وعلى هؤلاء فضل من الله كبير بأن جعلت راحتهم في تلك الأشياء التي هي بخسة الثمن وفي متناول كل مسكين وفقير.

فنفرض لو جعلت رغبتنا في الأشياء الثمينة التي لم تتيسر إلا للأغنياء فليس ببعيد أن نمكث طول حياتنا غير مرتاحين.

(13) قال الشيخ رحمه الله: إننا أمرنا بأن أموالكم التي أعطيتم في هذه الحياة الدنيا بأن لا تمسك أي لا تبخلوا فيها بل كانوا منفقين منها ولكن مع الالتزام بشروطه من غير إسراف ولا تبذير - أعني أن ينفق في مصرف ومحل صحيح وأن يكون بالطريقة التي أمرنا الله بها وفي حدود ما قرره لنا، (أقــول): قال تعالى:) وأنفقوا مما رزقناكم (الآية. وقال:) كلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين (وقال تعالى:) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (.

(14) ففي يوم من الأيام لم يتمكن أن يصل اللحم إليه في ذلك اليوم بسبب المطر أو بسبب آخر. وكان من ضمن الضيوف شيخ من محترمي ومن خواص أقرباء الشيخ محمد إلياس أيضاً وكان في علم الشيخ أنه يرغب اللحم، فرأيت أثراً كبيراً على الشيخ لعدم وجود اللحم في السُفرة فتعجبت في نفسي قليلاً بأن هذا ليس مما يؤخذ بالخاطر.

فبعد قليل (قال الشيخ رحمه الله) متأسفاً علي ذلك: قد ورد في الحديث ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) ومن إكرام الضيف أن يهيئ له ما يشتهيه إذا أمكن، ثم بعد ذلك قال بلهجة مؤلمة: فكيف بأضياف الله وأضياف رسوله صلى الله عليه وسلم.

(15) قال الشيخ رحمه الله: إن الجنة جزاء الحقوق أعني حقوقنا وراحتنا نمحيها ونتركها في رضا الله، وأن نتحمل المشقة ونؤدي حقوق غيرنا من ضمنها حقوق الله، فهذا جزائه الجنة (1)

وفي ذلك ورد الحديث: ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)).

وقد ذكر في الحديث قصتان لإمرأتان وهما معروفتان عند عامة الناس: أحدهما: أن امرأة من البغايا تفقدت أحوال الكلب وكان يلهث التراب، فرأته ورحمته وسقته في خفها الماء فأدخلها الله الجنة بفعلها هذا (1).

والأخرى التي لم تكن من البغايا حبست القطة فماتت بالجوع، فأدخلها الله النار بعدم إطعامه شيئاً ما تسد به الجوع (2).

(أقول): فالمرأة الأولى أدت حق الكلب بل آثرت وكلفت نفسها في خلع خفها حتى سقت الكلب الماء بتحملها المشقة دخلت الجنة، والمرأة الأخرى ما أدت حق القط (3) بل اعتدت عليها في عدم إطعامها حتى بلغت ما بلغت، أعاذنا الله من ذلك.

(16) قال الشيخ رحمه الله: إن العمل الذي كان يعمله الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المعظمة (قبل الهجرة) أي كان يتجول على الناس ويدعوهم إلى الحق وكان يذهب إليهم لهذا الغرض لم يكن هذا عمله بعد ما وصل إلى المدينة المنورة بل جعل له بها مقراً فاستقر فيه، ولكن فعل هذا بعدما هيأ جماعة خاصة التي تحملت مسؤولية الدعوة المكية التي تؤدي مسئوليتها بأحسن وجه ثم اقتضى هذا العمل بأن يكون له مركزاً ليسرى منه هذا العمل منظماً ويقود العمل رفقاءه، وعلى هذه الأسوة إنما إقامة سيدنا عمر رضي الله عنه في المدينة المنورة هي الأصح لوجود آلاف من عباد الله الذين يجاهدون لإعلاء كلمة الله في بلاد إيران والروم.

وكان من مقتضى الضرورة بأن يستقر سيدنا عمر رضي الله عنه بالمركز ليدبر أمور نظام دعوة الحق والجهاد في سبيل الله باستحكام.

(17) قال الشيخ رحمه الله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّم سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه بأن يدعو الله في آخر صلاته بهذه الكلمات: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. لاحظوا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لقن هذا الدعاء من هو أكمل وأفضل هذه الأمة وبالذات أن صلاته رضي الله عنه لدى الرسول صلى الله عليه وسلم كانت كاملة بحيث أنه صلى الله عليه وسلم قد أمره بأن يؤم الناس مع هذا كله علمه بأن يعترف في آخر صلاته هكذا، بأنك لم تؤد حق عبادتك أمام الله جل وعلا، وهكذا اطلب المغفرة والرحمة بفضله وكرمه ثم قال الشيخ رحمه الله: فأين أنا وأين أنت؟

(18) قال الشيخ رحمه الله: إن إقامة الإنسان على الأرض قليلة جداً (يعني أكثر مدة الإقامة مدى الحياة الطبيعية) أما تحت الأرض فإقامته هناك أكثر بكثير أو أفهم هكذا إن الإقامة في الدنيا فإنما هي مختصرة فلبثنا (إقامتنا) في المناطق التي بعدها مثلاً من الموت إلى النفخة الأولى في القبر، وبعده إلى النفخة الثانية في الحالة التي لا يعلمها إلا الله، وهذه المدة أيضاً تكون آلاف السنين وهكذا آلاف السنين في المحشر وبعده الآخرة في المقام الذي يحكم له (أي الجنة والنار).

المقصود بأن المكث في كل منزل ومقام بعد المرور من الدنيا أكثر من زمن الدنيا بآلاف الأضعاف، ثم كيف بغفل الإنسان بأن العمل الذي يعمله لأجل القيام لعدة أيام فإنه لا يعمل ما يعادل قدر ذلك أيضاً لأجل المقامات الأخرى.

أقول: إن الإنسان يجتهد للدنيا معظم أوقاته مع أن الدنيا أقل زمناً من زمن القبر ثم زمن النفخة ثم يوم القيامة الذي مقداره خمسين ألف سنة مما نعد، ثم بعد ذلك الحياة الأبدية التي هي الجنة والنار، أما الدنيا فهي أقل بقليل واهتمامنا لها أكثر بكثير بالنسبة للأزمنة الأخرى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت)) اللهم اجعلنا منهم آمين.

(19) قال الشيخ رحمه الله: الذكر الحقيقي هو أن يكون الشخص مراقب لأحكام الله وأوامره أينما كان وفي أي حال كان وفي أي عمل كان فيمتثل بها وعلى هذا الذكر أؤكِّد أصحابي أكثر.

(20) قال الشيخ رحمه الله: إن التميُّز والتّفوُّق الحاصل للإنسان على ما سواه فيه خلٌ خاص للِّسان. فلإنسان إذا لم يتكلم إلا الطيب ولا يستعمله إلا للخير فيحصل له هذا التميُّزَ والتَّفوُّقَ في الخير.

وإذا جعل اللسان آلة للشر فمثلاً لا يتكلم إلا شراً ويؤذي به الناس بغير حق فحينئذ بسبب هذا اللسان يمتاز ويتفوق في الشر إِلى حد أن أحياناً يجعله أخس من الكلب والخنزير.

وقد ورد في الحديث ((هل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم))(1). أقول: (اللهم أجرنا من النار آمين).

(21) في يوم من الأيام بعد صلاة الفجر وهو يرغِّب الناس في خدمة الدين ونصرته، هكذا بدأ في بيانه فقال رحمه الله: انظروا الكل يعلم ويؤمن بأن الله تعالى ليس بغائب بل هو شاهد وأنه شاهد في كل حين وكل لحظة، مع كونه حاضرا وناظراً عدم انشغال عبادة فيه واستمرار انشغالهم في غيره أغني الأعراض عنه ولانشغال والانهماك في ما سواه، فتدبروا أليس هذا سوء حظ وحرمان كبير، وقدروا أن الشيء كم يكن يغيض الله تبارك وتعالى؟

فالغفلة عن العمل في دين الله ولانشغال في الدنيا بدون مراعاة أوامره وأحكامه فهو إعراض عنه وهو انشغال وأتهماك في ما سواه، وعكس هذا الانشغال في الله هو أن يشغل نفسه في نصرة دينه وإفشال أحكامه ولكن مع مراعاة أن الشيء إذا كان أهم وأكد فيتوجه إليه حسب أهميته ووجوبه فيعلم هذه من أسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسنة، فمن المعلوم أن أكثر ما اجتهد فبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر ما نحمل الإيذاء فيه إعلاء كلمة لا اله إلا الله. أعني إعداد الناس لعبودية الله وهدايتهم الى طريقة، فهذا العمل يكون هو الأكثر أهميه، ويكون الانشغال في هذا انشغالا في الله تعالى في المرتبة العليا.

(22) وقال مرة في صحبه: إن الناس جعلوا درجة عبدية الله أدنى من درجة خدمتهم للإنسان ووظيفتهم له فإن حالة الخدم والموظفين عامة أنهم يتحصلون على المناصب العالية بالخدمة المتوالية لأولات أوامرهم، وما (1) يحصل لهم خلال هذا السعي فأنه يصرفونه في الأكل والشرب.

وأما ما بقي من معاملة العباد مع الله هو انهم مُشْغلوا أنفسهم بصفة متتالية في أعمالهم وتلبية ما يرغبونه وما يتلذذون به. وأحياناً يخرجون من مشاغلهم الذاتية ومن رغباتهم بعض الوقت فيعملون لله عملاً، فمثلاً: يؤدون الصلاة ويتبرعون لأمور الخير، فيحسبون أنهم قد أدوا ما عليهم ما كان مطلوب منهم في الدين مع أن العبودية هو أن يكون عمل الدين هو العمل لهما يكون ضمنياً وتبعا وليس معنى هذا أن الناس جميعا يتركون معاشهم وتجارتهم لا بد المقصود هو أن كل هذا يكون تعبداً لله ولخدمة دينه ونصرته ويكون هذا في البال بحيث يكون تعبدا لله ولخدمة دينه ونصرته ويكون هذا في البال بحيث يكون الأكل والشرب وغير ذلك ضمناً كتصرف العبد المملوك في مال مالكه.

وفي يوم من الأيام صلى بنا رجل صلاة فدعا بعدها بكلمات وقد كان الشيخ إلياس أكثر ما كان يدعوا بتلك الكلمات وهي: " اللهم أنصر من دين محمد صلى الله عليه وسلم وبعدها قال الداعي:واخذل من خذل دين محمد صلى الله عليه وسلم،اللهم لا تجعلنا منهم، ثم خاطب الحاضرين فقال: يا إخواني انظروا في هذا الدعاء فافهموا كم وزنه. هذا دعا لنا ودعا علينا وقد دعا بهذا الدعاء نخبة من عباد الله في كل زمان، وهذا الدعاء له وزن كبير، وفيه طلب الرحمة والنصرة في الحق من نصر الدين واجتهد في سبيله. وأما في حق من لم ينصر الدين فهو دعاء عليه شديد بأن الله يحرمه من رحمته ونصرته.

فعلى الجميع أن يطبق هذا الدعاء على نفسه وينظر فيه هل يصدق له هذا الدعا أم عليه؟ ويكون هذا في البال أن الصلوات التي نصليها، والصيام التي نصومها، فإنما هي عبادات في المرتبات العليا ولكنها ليست بنصرة الدين، إنما النصرة ما قال عنه القرآن الكريم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها " النصرة" وأصلها وطريقتها هي كما عممها الرسول صلى الله عليه وسلم سابقاً فتجديد نفس الطريقة وتعميمها في هذا الوقت والسعي في إجرائها هي النصرة الكبرى، نسأل الله أن يوفقنا لهذا جميعاً آمين.

على أهل الدعوة العاملين بهذا العمل أن يركزوا على قراءة هذه الملفوظات جيداً أنها تخصهم وأن يفهموها جيداً

(24) قال الشيخ رحمه الله: أصل المقصود من حركتنا هذه هو أن نُعلِّم المسلمين جميع ما جاء به النبي e. يعني أن نجعل الأمة تخضع على كامل الإسلام علمياً وعملياً, وهذا هو مقصودنا الحقيقي, وأما الخروج في سبيل الله وتنقل الجماعات وجولات التبليغ فهذا كله كسبب مبدئ لذلك المقصود, وأما تلقيننا وتعليمنا للشهادتين والصلاة والتعليم فمثاله كتعلّم الألف والباء والتاء بالنسبة لمنهجنا الكامل, وهذا أيضاً ظاهر بأن جماعتنا لا تستطيع أن تعمل عملها الكامل فإنما الذي في استطاعتها هو أن تصل في كل مكان فبجهدها واجتهادها تولد الحركة والايقاض في الناس فتلفت الغافلين على تعرفهم لأهل الدين المقيمين في ذلك المكان ويحاول أن يقوم علماء وصلحاء ذلك المكان المهتمون في أمور الدين في إصلاح العامة المساكين, وأصل العمل في كل مكان لا يستطيع أحد أن يقوم بعمله إلا المقيمين, والأكثر فائدة للعامة بالاستفادة من أهل الدين المقيمين في نفس المكان إنما تتعلم هذه الطريقة من رجالنا العاملين في طريق الإفادة والاستفادة و التعليم والتعلم منذ فترة و قد تمكنوا منه على قدر كاف.

(25) قال الشيخ رحمه الله في صحبة: لا بد لأحبابنا أن يفهموا بإدراك جيداً أنهم إذا لم تقبل منهم الدعوة والتبليغ بل سُبُّوا فلا ييأسوا ولا يملّوا من هذا, بل عليهم في هذه الحالة أن يتذكروا أحوال الأنبياء عليهم السلام في الدعوة إلى الله وخاصة حال سيد الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنها سنته ووراثته, ولا تحصل هذه المذلة في سبيل الله إلا لذو حظ, وأما إذا استُقْبِلوا بإِعزاز وإكرام وقُدِّر عمل الدَّعوة والتبليغ وسُمع كلامهم بشوق فليعلموا إنما هي منّة من الله علينا فلا يَكْفُرُنّ هذه النعمة. وإن خدمة وتعليم أولئك الراغبين يعتبروه شكرهم لله على إحسانه هذا، وإن كانوا أولئك من الطبقة السفلى فإن آيات) عبس وتولى أن جاءه الأعمى (تعلمنا هذا الدرس.

فإنما علينا في هذه الحالة أن نخشى من مكر النفس فلا ندعها تظن أن هذا القبول وهذا الطلب من كمالنا نحن، فيخشى في هذه الحالة فتنة عجب النفس أيضاً فيجب الحذر من هذا خاصة.

(26) قال الشيخ رحمه الله في صحبه: أفهموا الأحباب العاملين: أن الإبتلاءات والمصائب في هذا الطريق فلا تطلبوها قط (بل عليكم أن تسألوا العافية والمعافاة دائماً) (1)

ولكن الله سبحانه إذا ابتلاهم في هذا السبيل بالمصائب فحينئذ يعتبرونها رحمة الله وسبباً لتكفير السيئات ولرفع الدرجات، فمثل هذه المصائب في سبيل الله أغذية خاصة للأنبياء والصديقين والمقربين.

(27) وقال في صحبه: فليكن بالنا باطنياً إلى الله تعالى عند التبليغ والدعوة فلا يكن إلى المخاطب، وليكن في البال في ذلك الوقت أننا لم نخرج لعملنا الخاص بل خرجنا بأمر من الله وفي مهمة الله، وتوفيق المخاطب كذلك في قدرة الله سبحانه، فحينما يكون هذا في البال فلا يغضبه إساءة المخاطب له ولا يهزل عزمه.

(28) وقال رحمه الله: ما هذا العرف الخاطئ، أنه إذا سمع الناس كلامنا فأجابوا، فظننا أنه من فلاحنا ومكسبنا، وإن لم يجيبونا فنظن هذا من خيبتنا، مع أن هذا الظن في هذا الطريق خطأ البتة، لأن إجابة المخاطب أو عدم إجابته فهذا كله فعل الغير، فكيف نحكم على أنفسنا بالفوز أو عدمه بفعل غيرنا، فإنما حصول فوزنا في إتمام عملنا، فأما إذا لم يجب الآخر فهذا عدم فلاحه هو، فكيف نكون من غير الفالحين بعدم فلاح المخاطبين، قد نسى الناس فظنوا أن إجابة المخاطبين لهم الذي هو فعل الله عز وجل حقيقة هو عملهم في مسئوليتهم، والحقيقة أن مسئوليتنا هي أن نبذل جهدنا بالطريق الحسن فقط، فالانخضاع (والهداية) حتى الأنبياء لم يملكوها (1).

إنما نعتبر من عدم الإجابة بأنه من الممكن بأننا قصرنا في جهدنا ولم نؤدي حقه فأرانا الله بسببه هذه النتيجة، فبعد ذلك علينا أن نعزم في المزيد من الجهد والدعاء وطلب المزيد من التوفيق كماً وكيفاً.

(29) قال رحمه الله تعالى: إن أحبابنا أينما ذهبوا فعليهم أن يحاولوا الحضور في خدمة العلماء الصلحاء الحقانيين بذلك المكان، ولكن هذا الحضور لا يقصد به إلا الاستفادة منهم فلا تدعوهم مباشرة لهذا العمل، لأن مشاغلهم التي هم مشغولون فيها يفهمونها جيداً متأكدون بتجربتهم من منافعها، وأنتم لا تستطيعون إقناعهم بكلامكم أن هذا العمل أكثر فائدة للدين وأكثر فائدة لهم من مشاغلهم الدينية فتكون النتيجة أنهم لا يجيبونكم، فحينما يقول: لا مرة واحدة فتحويل تلك اللا إلى نعم صعب جداً، فربما يكون من نتائجها السيئة أن لا يسمعونكم عامة الناس الذين يقدرونهم فمن الممكن أن يدخل فيكم الشك فلذا لا تزوروهم إلا للاستفادة منهم فقط، ولكن يجتهد في العمل في بيئتهم مع المراعاة والاهتمام منهم الخاص في التمشي بالأصول.

فبهذا نأمل أن تصل أخبار عملكم ونتائجه التي تكون سبب دعوتهم وبذل توجههم. فبعد ذلك إذا توجهوا إليكم وإلى عملكم من تلقاء أنفسهم فحينئذ يعرض إليهم بأن يقوموا بالإشراف عليكم ويرعوكم ومع مراعاة الأدب والتقدير الديني لهم يعرض إليهم كلامكم.

(30) قال رحمه الله: إذا لوحظ أن علماء وصلحاء ذلك المكان ليسوا من المؤيدين لهذا العمل فلا تجعلوا للوساوس مكاناً في قلوبكم بل يظن أن هؤلاء حتى الآن لم تفتح لهم حقيقة هذا العمل الكاملة وكذلك يظن فيهم لكون هؤلاء خدماً للدين، فالشيطان أشد عدواً لهم منا، (لأن السارق لا يأتي إلا للثمين).

وعلاوة عن هذا فليفهم أن الدنيا حقيرة وذليلة فما دام الناشبين فيها لم يرجحوا هذا العمل مقابل المشاغل الدنيوية ولم يعلموا هذا العمل يترك مشاغلهم وانهماكهم فيه، فما ظنك بأهل الدين فكيف يتركون أعلى مشاغلهم الدينية بسهولة، فقال أهل المعرفة: الحجابات النورانية تكون أضعاف الأضعاف من الحجابات الظلمانية شدةً.

(31) وقال الشيخ رحمه الله في صحبه: من أصل الدعوة والتبليغ أن الخطاب العمومي فلتكن فيه شدة كاملة، وفي الخطاب الخصوصي رفق، بل يفضل حتى الإمكان أن يكون الخطاب عاماً لإصلاح الخاصة أيضاً.

فكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا علم خطأ أحد شخصياً فكان أكثر خطابه العتابية بقوله: ((ما بال أقوام)) كذا.

(32) وقال في صحبه: الانبساط بالحكايات الكلامية أصبحت عاداتنا، والكلام عن الأعمال الصالحة ظننا انه يكفي عن العمل الأصلي، فاتركوا هذه العادة وعليكم بالعمل العمل ثم أنشد باللغة الفارسية: أقول وترجمته ما يلي:

عليكم بالعمل العمل واتركوا الحكـي   مطلوبنا في هذا الطريق العمل لا الحكي

(33) قال رحمه الله: الوقت مثل القطار الساري فالساعات والدقائق والثواني كالمقطورات ومشاغلنا مثل الركاب الجلوس فيها فمشاغلنا المادية الدنيوية الذليلة استولت على مقطورات قطارنا فلا يمكنون المشاغل الأخروية الشريفة بركوبها، فعلينا أن نفرغ المكان ونولى عليها المشاغل الشريفة العليا التي ترضى الرب وتبنى آخرتنا مكان المشاغل الذليلة بعزيمته.

(34) قال في صحبة: فما وفقنا الله من الأعمال مهما بلغت درجتها في الصلاح فلا تختم إلا بالاستغفار، والمقصود هو أن يكون الاستغفار جزء كل أعمالنا، وذلك بظن منا أن كل عمل أعمله ففيه تقصير بالتأكيد فلنستغفر الله على تلك التقصير.

فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستغفر الله بعد كل صلاة، فلذا عمل الدعوة أيضاً يجب أن يختم دائماً بالاستغفار لأن العبد مهما عمل لله عملاً لن يستطيع أن يؤدي حقه وأن الانشغال في أحد الأعمال قد يكون سبباً في عدم تأدي أعمال أخرى متعددة، فلتلافي مثل هذه التقصيرات يجب أن تختم الأعمال الصالحة أيضاً بالاستغفار.

(35) في يوم من الأيام بعد صلاة الفجر عندما كان الجمع غفيراً من أهل الدعوة القائمين بهذا العمل في نظام الدين وقد ضعفت صحة الشيخ إلياس حينئذ بدرجة أنه في حالة امتداده على فراشه لم يتمكن أن يقول كلمتين أو أربعة بصوت, فطلب أحد الخدم باهتمام فبواستطه بلغ الناس الحاضرين جميعاً فقال: إن سيركم هذا كله وجهدكم هذا كله سيكون هباءً منثوراً إذا لم تهتموا معه في علم الدين وذكر الله اهتماماً بالغاً، فإن العلم والذكر مثل الجناحان فبدونهما لا يمكن الطيران في الهواء بل الخطر شديد والخشية قوية أن لو تغافلنا عن هذين الشيئين فحينئذ يكون هذا الجهد باباً جديداً للفتنة والضلالة، فإذا لم يكن العلم موجوداً فيكون الإسلام والإيمان عادة روتينية وبالاسم فقط، فإن كان العلم موجوداً بدون ذكر الله فإنه ظلمة محضة، وكذلك بدون العلم وإن كثر ذكر الله فلا يخلو من الخطر.

فالمقصود أن النور في العلم لا يأتي إلا بالذكر، وبدون علم الذين لا يتحصل على بركات وثمرات الذكر الحقيقة، بل أحياناً إن الشيطان يستعمل الصوفي الجاهل.

فلذا لا تغفلن أيضاً عن أهمية العلم والذكر في هذا الطريق، فلا بد من الاهتمام الخاص لهذا وإلا ستكون هذه الدعوة والتبليغ شر فقط فتكونون في خسران شديد.

وقصد (1) الشيخ إلياس رحمه الله من كلامه هذا هو أن لا تظنوا أن الجهد والتعب والخروج والإيثار والتفدي في سبيل الدعوة والتبليغ هي الأصل. بل أصل الفريضة هي تعليم وتعلم الدين والتعود على ذكر الله والتعلق بالله عز وجل.

فبتعبير آخر أن قصده ليس أن تكونوا عساكر فقط بل طلبة علم الدين وعبيد الله الذاكرين له أيضاً.


ملفوظات هذا القسط كلها رتبها الشيخ ظفر أحمد التهانوي

(36) في المرة الأخيرة عندما حضرت عند الشيخ في وسط شهر يوليو فقال فور مشاهدته إياي بيت شعر بالفارسية:

أقول وترجمته:

قد بلغ روحي الحنجرة فأنتي لأبقى حيا فلما لم أكن فتجيئ فماذا تستفيد حينئذ

فتأثرت من هذا الشعر جداً حتى تغرغرت عيني دمعاً، ثم قال هل تذكرت الوعد؟ وقد وعدته أنني سأتفرغ لعدة أيام للتبليغ، فأجبته بأنني أذكر ولكن هذه الأيام حر شديد في دلهي وفي عطلة رمضان سوف أتفرغ له بعد رمضان قال: إنك تحكي عن رمضان أما عندنا حتى الشعبان (1) غير متوقع، فقلت له: حسناً إنني نويت الإقامة الآن فلا تأخذ بخاطرك شيئاً أنا الآن متفرغ للتبليغ، فبعد ما سمع قولي هذا بدء وجهه يتلألأ سروراً وفرحاً ووضع يديه على رقبتي وقبَل جبيني.

حملني على صدره مدة ودعا لي كثيراً ثم قال: إنك أنت أقبلت عليّ فكثير من العلماء يريدون من بعيد أن يفهموا مقصودي. ثم ذكر أحد من العلماء الكبار بأنه في هذه الأيام يخرج كثيراً مع الجماعات ولكن إذا سألتني عنه فإنه لم يبلغ طموحاتي إلى الآن لأنه لم يتكلم معي مشافهة إلى يومنا هذا ولكنه دائماً يكلمني بالوسائط فحينئذ كيف أفهمه طموحاتي بالوسائط وبالذات عندما يكون حال الوسائط كذلك ناقصون، فلذلك أتمنى أن تقيم عندي عدة أيام إنك ستفهم مرادي، فأما من بعيد فلا تستطيع أن تفهم ما أقول، وأنني أعلم أنك تشترك في التبليغ وتلقي المحاضرات في الاجتماعات وأن محاضراتك تفيد السامعين إن شاء الله لكن ليس هذا التبليغ الذي أريده منك.

(37) قال الشيخ رحمه الله في صحبة: وقد ورد في الحديث ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) فمعنى هذا إننا لن نبعث إلى الدنيا لأن نعين أنفسنا ونسير على هوى أنفسنا التي به تكون الدنيا جنة، بل بعثنا لمخالفة النفس (1) وإطاعة أوامر الله التي تكون الدنيا للمؤمن كالسجن، فإذا نحن أيضاً قمنا في حماية أنفسنا تقليداً للكفار فجعلنا الدنيا جنة فنكون نحن حينئذ غاصبين لجنة الكفار، ففي هذه الحالة لم تكن نصرة الحق مع الغاضب بل مع المغضوب منه، فقال: انظر في هذا القول بنظر عميق جيداً.

(38) قال الشيخ رحمه الله: إن الناس عندما يرون بركات عملي التبليغ يظنون بأن العمل جاري وماشي. والواقع أن العمل شيء والبركات شيء آخر، انظروا أن مع ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأت تظهر البركات ولكن العمل بدأ في ما بعد, فكذلك عملنا هذا فافهموا ما أقول فيه وهو الحق: أنه لم يبدأ العمل العالي, فعندما يبدأ العمل كما هو حقه فتعود أحوال الناس كما كانت قبل سبعمائة سنة, وإذا ما بدأ العمل بل استمر على مصيره الذي هو عليه إلى الآن فاعتبره الناس حركة من الحركات وزاغ العاملون في سبيل هذا العمل, فالفتن التي نتوقع إتيانها بعد مآت السنين, فإنها ستأتي في شهور فلذا لا بد أن يفهم هذا.

(39) في يوم الجمعة مرة بَيَّنْتُ في اسمبلي (أي مسجد البرلمان) بدهلي قبل صلاة الجمعة والشيخ محمد إِلياس رحمه الله هو الذي أشار إلى أن أبين هناك, ولم أعد بعد الصلاة في نفس اليوم إلى نظام الدين ومكثت عند بعض الأقارب فبت عندهم, فلما رجعت اليوم الثاني إِلي نظام الدين فاعتذرت بأنه على إِصرار بعض أقربائي بت بدهلي,

قال الشيخ رحمه الله: لا حاجة لهذه المعذرة لأن العاملين في هذا العمل قد تعرض لهم مثل هذه الأعذار هذا ليس بمُهِمّ, نعم أخبرني عن الوعظ هل بينت في مسجد البرلمان؟, فقلت: نعم. ففرح بذلك كثيراً ثم قال: اسمع أن هؤلاء لا يدعوننا لطلبهم من قِبل أنفسهم فهم لا يفرغون من الدنيا فعلينا نحن أن نذهب إليهم بأنفسنا للتبليغ بدون طلبهم.

ثم سألني ماذا بينت أمام أولئك؟ فقلت: أنني أثبت بالآتية: (إن في خلق السماوات و الأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداًً وعلى جنوبهم) الآية. بأن العقلاء هم الذين ينظرون في نظام هذا الكون ويتعرفون على خالقه ويذكرونه في جميع أحيانهم, وليس بالعقلاء الذين منتهى نظرهم السير بين القمر والأرض ولم تتجاوز عقولهم خالقها, بينت ضرورة ذكر الله وأوضحت حقيقته ثم شددت في أهمية الدعوة والتبليغ.

فقال الشيخ رحمه الله: إن هذا الموضوع عالي جداً ولم يكن مناسباً لأولئك الجمع, وأن أهل هذا الموضوع مجتمعون هنا (أي في نظام الدين المركز) فليبين مثل هذا الموضوع هنا في وقت آخر، فكان المناسب لذلك الجمع الآية:) والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولي الألباب (فقال: إن هذا دال على الطبقة السفلى الذي دل عليه لفظة) هداهم الله (، فقلت: صدقت، فإنشاء الله سوف أبين هذا هناك في وقت آخر.

(40) قال الشيخ رحمه الله في مجلس: مقصودنا الأصلي من تبليغنا هذا هو أن يُصرَف الناس من الطاغوت وأن يعودوا إلى الله عز وجل ولا يمكن هذا إلا بالتضحية، ومن الدين تضحية الأنفس وتضحية الأموال ومن تضحية النفس في التبليغ هو أن يترك وطنه لإعلاء كلمة الله ولنشر دين الله، ومن تضحية المال هو أن يتحمل نفقات السفر بنفسه، وأما الذي لا يستطيع الخروج بنفسه لعذر في زمن فعليه أن يحرض الآخرين للخروج في التبليغ في هذا الزمن خاصة ويجتهد في إخراجهم. فبهذا يكون عاملاً بالحديث: الدال على الخير كفاعله، ومن يخرجهم سيتحصل له الأجر على قدر أجور جهدهم هو أيضاً مثلهم، وإن نصرهم في خروجهم بالمال فكذلك يحصل لهم ثواب التضحية المالية أيضاً ثم عليه أن يظن في الذين خرجوا بأنهم محسنون عليه. لأن أصل العمل كان عليه هو أن يعمله ولكن لم يستطع عليه لعذر فهؤلاء يؤدون واجبه عنه، فإنما الدين هو أن يظن القاعدون والمعذرون بأن المجاهدين هم محسنون عليهم.

(41) قال لي الشيخ مرة: يا شيخ: إن في تبليغنا هذا أهمية عظيمة للعلم والذكر. فبدون العلم لا يتمكن تأدية العمل، ولا تحصل معرفة العمل، والعمل بدون الذكر ظلمة محصنة فلا يمكن أن يكون فيه نور بدونه، ولكن رجالنا القائمين بالعمل فيهم نقص نحوه.

فقلت له: إن التبليغ هو من أهم الواجبات فبسببه إذا ورد النقص فمَثَلُه كما قال الشيخ السيد البريلوي رحمه الله عندما أعد للجهاد وأشغل خدامه في تدريب الرمي وركوب الخيل بدلاً عن النوافل والذكر، فاشتكى بعضهم بأنه لم تكن الأنوار كما كانت قبل ذلك، فقال الشيخ السيد: نعم فكانت سابقاً أنوار الذكر، أما أنوار الجهاد فهي موجودة، فنحن الآن في حاجة لهذه، فأجاب الشيخ قائلاً: أما أنا قلق جداً من قلة العلم والذكر، وسبب هذا النقص هو أنه لم يشترك حتى الآن أهل العلم وأهل الذكر في هذا العمل.

فإذا أتوا هؤلاء الكرام ويأخذوا مسؤولية هذا العمل في أيديهم فحينئذ يكمل هذا النقص، ولكن العلماء وأهل الذكر لم يشتركوا في هذا العمل إلى الآن وإلا قليلاً.

(42) كان في أحد رسائل الشيخ أبي الحسن الندوي هذه الجملة: إنما المسلمين قسمين لا ثالث لهما: إما الذين يخرجون في سبيل أو الذين ينصرون الذين يخرجون في سبيل الله.

فقال الشيخ (محمد إلياس): ما أحسن ما فهمه، ثم قال: ومن ضمن النصرة أيضاً أن يحرضهم علي الخروج ويعلمهم بأن خروجك لا يحرج على العالم الفلاني في تدريسه للصحيح البخاري ولا في تدريسه القرآن الكريم بل أنت يحصل لك أجر تدريسه أيضاً. فليبين للناس مثل هذه النيات ويخبروا طرق تحصيل الأجر والثواب.

(43) قال الشيخ مرة: أيها الشيخ ! إن حاصل تبليغنا أن على عامة الناس المبتدئين أن يأخذوا الدين مما هم فوقهم ويعطوه مما هم أسفل منهم، ويعتبرون أن الأسلفون محسنين عليهم، لأنه مهما بلّغنا كلمة الإخلاص ونشرناها فنجد كلمتنا تتكمل وتتنور كذلك، وقدرما نجعل الناس يواظبون على الصلوات فتتكمل صلاتنا مثله كذلك فمن أكبر سر التبليغ أن يقصد المبلغ تكميل نفسه فلا يظن نفسه هادياً للآخرين لأنه لا هادي إلا الله.

(44) قال الشيخ رحمه الله: جاء في الحديث ((من لا يرحم لا يرحم، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)). ولكن مع الأسف أن الناس قد خصوا هذا الحديث بالرحمة على الجوعة وأهل الفاقة فلذا صار الناس إذا رأوا الجائع والعطشان والعاري فيرحموه ولكن المحروم من الدين لا يرحموه، فكأن خسارة الدنيا يعتبرونها خسارة ولكن خسارة الدين أساس هذه الدعوة والتبليغ على هذه الرحمة فلذا علينا أن نعمل هذا العمل بالشفقة والرحمة إذا كان المبلغ والداعي قائماً بالتبليغ والدعوة مهموماً بإساءة أحوال إخوانه الدينية فمن المتيقن أنه يؤدي واجبه نحوه بالرحمة والشفقة لهم، ولكن إذا لم يكن هذا إحساسه بل شيء آخر فحينئذ يبتلى بالكبر والعجب فلا يتأمل منه المنفعة، وكذلك الرجل الذي يقوم بالدعوة والتبليغ مؤدياً عمله مراعياً لهذا الحديث فيكون فيه الإخلاص أيضاً وإن نظره علي عيوبهم ويكون نظره على محاسنهم الإسلامية أيضاً فحينئذ يكون هذا الشخص لا يحمي منافعه بل يكون شاكياً على تقصيره، إنما سر هذه الدعوة بأن يتخلى من حماية نفسه ولا يزال يشكوا نفسه على التقصير ولا ينسى هذا الدرس أبداً.

أقول (معنى قول الشيخ) بأنه لا يظن انه أدى واجبه نحو الدعوة ويطمئن بأنني قد أديت واجبي بل دائماً يلوم نفسه ويشكى نفسه بأنه لا زال مقصراً في أداء واجبه مهما بلغ جهده، ويلزم هذا الشيء كالدرس بأنه لا زال مقصراً بحيث تصبح هذه الصفة في نفسه كصفة دائمة، وهذا من سر هذه الدعوة والتبليغ.

(45) قال مرة: يا شيخ ! من اللازم أن تتفقد الأحكام الإلهية فلا بد من التفقد المستمر، فمثلاً لا بد أن يفكر قبل الانشغال في أي عمل، فالانشغال في الشيء يلزم شيئين أحدهما التوجه في العمل الذي يراد الانشغال فيه، وثانيهما: الغفلة عن الأعمال الأخرى في نفس الوقت، فالآن يفكر في الأعمال التي يغفل عنها في ذلك الوقت فهل منها عمل أهم من هذا العمل الذي يراد الانشغال فيه، فهذا الشيء لا يمكن بدون التفقد.

(46) قال الشيخ مرة: فلتكن المراقبة قبل أداء الصلاة بقليل، لأن الصلاة التي تؤدى بلا انتظار تكون مخلخلة فينظر في الصلاة قبل أدائها.

[ فائــدة (1)]: فلذا سن لنا الشرع النوافل والإقامة وغيره قبل أداء الفرائض لتحصل المراقبة بصفة تامة، ثم يؤدى الفرض ولكن نحن لا نفهم فوائد ومصالح السنن والنوافل والإقامة وغيرها ولا نستفيد منها فلذا فرائضنا تؤدى ناقصة.

اللهم إني أسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك آمين.

(47) قال الشيخ مرة: على الذين ينشغلون في الدعوة والتبليغ أن يجعلوا قلوبهم واسعة وتتولد هذه السعة بالنظر إلى رحمة الله الواسعة فبعد ذلك يهتم في التربية.

(48) قال الشيخ رحمه الله: فإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الإسلام كان يذهب إلى بيوت ومجالس الذين لا رغبة لهم ولا طلب لهم في الدين، فيدعوهم إلى الإسلام، وما كان ينتظر الطلب منهم ففي بعض الأماكن أرسل الصحابة رضوان الله عليهم للدعوة والتبليغ.

وحالنا في الضعف في هذا الوقت نفس حال الضعف الذي كان في ذاك الوقت (أي في بداية الإسلام)، فلذا يجب علينا أن نذهب نحن إلى من لا طلب لهم في الدين، فنصل إلى جموع الملحدين والفسقة لإعلاء كلمة الحق (ثم غلبته نشوفية في حلقة فمنعته من التكلم) ثم قال: يا الشيخ: قد تأخرت في مجيئك عندي فلا أستطيع الآن أن أتكلم معك بالتفصيل، فعليك التأمل فيما قلت.

(49) قال الشيخ رحمه الله مرة: كانت طريقتي في البداية في تعليم الذكر هي المواظبة على تسبيحات فاطمة (1) بعد كل صلاة: وسبحان الله (1)، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم الصلاة على (2) الرسول صلى الله عليه وسلم مائة مرة والاستغفار (3) مائة مرة صباحاً ومساءً وتلاوة القرآن الكريم (4) مع تصحيح القراءة وأكد على صلاة التهجد (5) في النوافل والتردد على أهل الذكر، فالعلم بدون الذكر ظلمة والذكر بدون العلم باب الفتن.

(50) وقال الشيخ رحمه الله مرة: إن الرؤيا الصالحة (1) جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة. فبعض الناس يرتقون بالرؤيا الصالحة ما لا يبلغونه بالرياضيات لأنهم يتلقون على العلوم الصحيحة بالرؤيا التي هي جزء من النبوة وكيف لا يرتقون فلذا قيل: ((إن بالعلم تزداد المعرفة وبالمعرفة يزداد التقرب)).

ثم قال: في هذه الأيام تُلقى إلَّي العلوم الصحيحة في الرؤيا، فلذا حاولوا أن أنام أكثر (فبسبب النشوفية (2) كان لا ينام إلا قليلاً فبعد مشورتي مع الأطباء أدهنت رأسه بزيت فزاد نومه)(3) ثم قال الشيخ: إن طريقة الدعوة والتبليغ أيضاً قد انكشفت لي في الرؤيا وقال الله تعالى:) كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله (وتفسير هذه الآية قد ألقى إلي في المنام أي الأمة المسلمة مثل الأنبياء عليهم السلام أخرجت للناس، وفي كلمة) أخرجتْ (إشارة إلى عدم الجمود في العمل في مكان واحد فالضرورة في الخروج والتنقل من مكان إلى مكان، وإن عملكم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال:) تؤمنون بالله(مخبراً بأن عملكم هذا (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يرقى ويزيد إيمانكم بالله، لأن حصول الإيمان مطلقاً قد علم من قوله تعالى) كنتم خير أمة (، إذاً لا تقصدوا به هداية الآخرين بل إنووا نفع أنفسكم. وفي قوله:) أخرجت للناس (ليس القصد من الناس العرب بل غير العرب لقوله تعالى في العرب) لست عليهم بمسيطر () وما أنت عليهم بوكيل (مخبراً عن العرب بأن هدايتهم قد قدرت لهم فلا يزداد اهتمامك فيهم، نعم أن المخاطبين بقوله) كنتم خير أمة (هم العرب. وبـ) الناس (الآخرون الذين هم غير العرب، فبعده قوله تعالى) ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم(دال على ذلك وقوله هنا خيراً لهم ولم يقل خيراً لكم لأن الداعي إنما يستفيد بدعوته في تكميل إيمانه سواء استجابة المخاطب أو لم يستجب. فإذا استجاب المخاطب وآمن فإنه يستفيد به المخاطب أيضاً، ولكن فائدة الداعي ليست موقوفة على الاستجابة.

(51) قال الشيخ رحمه الله: إن درجة الزكاة أقل من درجة الهدية، فلذلك حرمت الصدقة عل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تحرم الهدية، وإن كانت الزكاة واجبة والهدية مستحبة، ولكن أحياناً درجة المستحب تكون أعظم من الواجب، كالبداية بالسلام سنة، ورد السلام واجب، ولكن البداية بالسلام أفضل منه. وكذلك الزكاة ولو أنها واجبة ولكن ثمرتها تطهير المال والهدية وإن كانت مستحبة ولكن ثمرتها تطيب قلب المسلم ومن ناحية الثمرة هذه أفضل من الزكاة لأن تطيب قلب المسلم أعظم درجة من تطهير المال، وإن كان بالزكاة يطيب قلب المسلم المحتاج ولكنه ليس مقصوداً بل يجعل هذا تبعاً، والمقصود الأصلي بالهدية هو تطيب قلب المسلم.

ثم قال الشيخ رحمه الله: يلزم على من يؤدي الزكاة التفقد للمصاريف كما على المصلي التفقد على الماء الطاهر والمصرف الصحيح للزكاة هو أن لا يتولد فيه حرص المال بعد استلامه مبلغ الزكاة. وليس مقصود الشرع بفرضية الزكاة أن يتولد في المسلم الفقير حرص المال وطمعه بأن لا يزال هؤلاء في انتظار الصدقات والزكاة، كلا، فالذي يتوكل على الله ويصبر، وعلى قدر صبره وتوكله يلزم على أهل الأموال إعانته على قدر صبره حيث قال تعالى:) للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف (فالمصرف الصحيح للزكاة هم هؤلاء الذين منشغلون في دين الله، ويتوكلون على الله بالصبر ولا يسألون أحداً ولا يطمعون في أموال الناس.

ولكن نرى اليوم أن أهل الأموال يؤدون زكاتهم للسائلين المهنية (أي الشحادين) (1) ويحسبون أنهم قد أدوا زكاتهم مع أن هذه تضيع الزكاة حتى السابقة معها، فلهذا السبب لا تأتي البركة في الأموال بعد إيتاء الزكاة مع أن وعد البركة في المال المؤدى زكاته قطعي لا شك فيها، وأما الذين لا يشاهدون البركة في أموالهم بعد أداء الزكاة فليعلموا أن مصرف زكاتهم غير صحيح، وهم لا يبحثون عن المصاريف الصحيحة للزكاة.

(52) قال الشيخ رحمه الله مرة: على المسلمين أن يخدموا العلماء لأربعة نيات:

(1) من الناحية الإسلامية بحيث زيارة مسلم لأخيه المسلم حسبة لله، فإن سبعين ألفا من الملائكة يشيعونه ويصلون عليه (2) فإذا كان زيارة مسلم لمسلم هذا فضلها ففضل العالم أكثر منه وأكد علي غيره.

(2) أن قلوبهم وأجسامهم حاملة للعلوم النبوية ومن هذه الناحية هؤلاء العلماء أليق بالتعظيم والتوقير والخدمة.

(3) أنهم مسئولون على أمور ديننا.

(4) لتفقد حاجاتهم، لأن الناس إذا تفقدوا حاجاتهم الدنيوية التي يستطيع أهل الأموال علي قضائها، فإذا قضوا حاجاتهم فيسلم العلماء من صرف وقتهم لها فيمضي وقتهم هذا في خدمة الدين والعلم أيضاً، فأهل الأموال يكون لهم الأجر مثل أجور العلماء أيضاً.

(53) قال الشيخ رحمه الله: إن كثير من المسلمين هم غافلون عن الدعاء، والذين يدعون منهم فهم أيضاً غافلون عن حقيقة الدعاء، فليبين للناس حقيقة الدعاء: ثم قال فحقيقة الدعاء أن يعرض حاجاته إلى صاحب مقام عظيم، فيتوجه إليه بقلبه حسب عظمة صاحب المقام العظيم، ويتلفظ بالدعاء بألفاظ التضرع ويدعو وهو متيقن بقلبه بأن دعائه مستجاب، لأن المسئول جل جلاله جواد كريم بعباده، وأن خزائن السموات السبع والأرض كلها بيد الله وقدرته سبحانه.

(54) قال الشيخ رحمه الله: إن الوفود الذين يسافرون إلي سهارنفور وديوبند (1) ترفق معهم رسائل من تجار (2) بلدة دلهي بمنهج أن يرجو التكرم من أصحاب الفضيلة العلماء ويعرضون إليهم بأن هؤلاء الوفود سيحضرون للتبليغ إلى العامة وأن أوقاتكم غالية جداً لو استطعتم أن ترعوهم في بعض من وقتكم الذي لا يحرجكم أنتم ولا يحرج الطلبة فالرجاء رعايتكم لهؤلاء وأن تأخذوا الطلبة معكم وتحت إشرافكم.

وليس للطلبة أن يشتركوا في هذا العمل بدون إشراف الأساتذة وتنصح وفود التبليغ أنه إذا قصر العلماء في التوجه إليهم فليحذروا من أن ينشأ في قلوبهم أي اعتراض على عالم بل عليهم أن يفهموا بأن العلماء مشغولون في أهم عمل من عملهم هذا. وهم في الليل أيضاً مشغولون في العلم عندما يرتاحون الناس في نوم هادئ. ويحملوا عدم توجههم على تقصير من أنفسهم لقلة مراحهم ومجئيهم إليهم فلذا هم متوجهون إلى الطلبة أكثر منا الذين هم نزلوا عندهم مقيمين لعدة سنوات.

ثم قال: إن إساءة الظن لمسلم تلقيه في الهلاك، فالاعتراض على عالم أمرٌ أشد منه.

ثم قال: إن إكرام المسلم واحترام العلماء من أساس الدعوة عندنا بأن يعز المسلم لكونه مسلماً ويحترم العالم أكثر منه لكونه عالم دين.

ثم قال: إن عمل العلم والذكر لم يتمكنوا فيه مبلغينا حتى الآن وأنا مهتم لهذا جداً، وطريقة هذا بأن يُبعثوا هؤلاء المبلغون إلى أهل العلم وأهل الذكر ويبلغون كذلك تحت رعايتهم ويستفيدون من علمهم وصحبتهم.

(55) في يوم من الأيام انشغلت في التكلم مع الضيوف القادمين للزيارة ولم أجلس في خدمة الشيخ كالعادة، ثم حضرت في خدمته بعد الظهر فقال:

عليك أن تمكث معي أكثر ما يمكن، فقلت: إن اليوم القادمون كانوا أكثر وجعلت جمعهم حولي أتكلم معهم في التبليغ والدعوة لئلا يتكاثر جمعهم عندك ولأخفف عنك تكلمك الأكثر، فقال الشيخ: إنما لكان حله بأنك لو كنت عندي فأقول لك ما في نفسي فأنت تبلغ الآخرين فبهذه الطريقة لخرجت شوكة قلبي، كن عندي وكن مستمعاً لكلامي وتبلغه للآخرين لكي لا أضطر أن أبين لهم أنا مباشرة، وبعض الأحباب يصرون بأن لا أتكلم ولكن كيف ألزم السكوت لحين ما تخرج شوكة قلبي، ولن ألزمن السكوت حتى ولو أموت.

(56) قال مرة: إن الشيخ أشرف علي التهانوي (1) رحمه الله قد عمل عملاً عظيماً، إنني أودّ أن يكون التعليم تعليمه، وطريقة التبليغ طريقتي، فبهذا البرنامج يعم تعليمه، ثم قال: فلا تبينوا في البيانات مصالح الأحكام الشرعية وعللها، بل علموا العامة أن يركزوا في الاهتمام لثلاثة أمور:

(1) أن يقصدوا في كل شيء رضا الحق جل وعلا.

(2) أن يؤمنوا بالآخرة بإتقان أي مهما عملوا فيكون العمل لرضاء الحق مع احتسابهم بأنه ينفعنا في الآخرة بأن نثيب به ويدرء عنا العذاب به يوم القيامة.

(3) فلا يكن المقصود من ذلك العمل أي نفع ينتفع به قبل الموت، فإنما هذا النفع الدنيوي مثله كمثل (الوصاية(1)) يتحصل بنفسه وليس بمقصود فإن حصوله متيقن ويلزم اليقين عليه ولكنه ليس مقصود بالذات عند العمل، ثم قال: أما إذا اقتضت الحاجة في بيان الأسرار والمصالح فهنالك لا حرج في بيانها ولكن ليس في كل مكان تبين ذلك.

(57) قال الشيخ مرة: إنني أقدر أصحاب الشيخ التهانوي (رحمه الله) لأنهم قريبوا العهد به فلأجل ذلك تفهم أنت ما أقول بسرعة لأنك سمعت كلام الشيخ التهانوي في عهد قريب ثم قال: فبسببك بارك الله لي في عملي هذا, وأجد سرورا في نفسي من أجلك ثم دعا لي كثيرا, ثم قال: عليك أن تشكر ربك على هذه النعمة متضرعا وباكيا, (اللهم ما أصبحت بي أو أمسيت بي من نعمة أو بأحد من خلقك منك وحدك لا شريك لك, فلك الحمد ولك الشكر) (2).

(58) قال: فليجتهد في عمل الدعوة والتبليغ أن يقوم السادات به وأن يتقدموا فيه وان مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم ثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وهو هذا وقد سبق أن عملوا هؤلاء المشايخ السادة في نشر هذا الدين, وكذلك أملي فيهم كبير في المستقبل.

(59) قال الشيخ يوما: إذا احب مسلم أحدا لوجه الله, أو احبه المسلم لله محبة صادقة فإنما هذه المحبة وحسن الظن فيه زخرا في الآخرة, فأن المسلمين يحبونني فأرجو من هذا إن شاء الله أن استر هناك (في الآخرة).

ثم قال: إنما التأكد من أنه مفلس (1)هو الفلاح لأنه لا يفلح أحد بعمله, إنما الفلاح بفضل الله فقط لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لن يدخل الجنة أحد بعمله قالوا:ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " فبكى الشيخ بنفسه وأبكى الآخرين.


(60) قال الشيخ مرة يا شيخ ! إن العلماء لا يقبلون إلى هذا العمل, فماذا أفعل آه يا الله ماذا أفعل؟ قلت: سوف يأتون كلهم فأدع لهم, قال: حتى الدعاء لا أستطيعه, إنما أدع لهم أنت, ثم أنشد هاتين البيتين:

أستغفر الله من قول بلا عمل لقد نسبت به نسلا لذي عقم

ظلمت سنة من أحي الظلام إلى أن اشتكت قدماه الضر من ورم

فتغرغرت عيناه دمعا (1)

(61) قال رحمه الله: الإسلام فيه درجة واسعة, وهذه الوسعة هي ميلاد الشخص في بيت مسلم وفي دار الإسلام وانه تابع لخير الأبوين, فهذا كاف في أن يعد من المسلمين, فبهذه الوسعة بعد إن دخل في الإسلام فلا يجعلونه أن يخرج منه مهما أمكن. فإذا وجد في كلام أحد تسعة وتسعون وجهة نظر كفرية وواحدة إسلامية فإنما يسمى مسلم ولكن هذا ليس بالإسلام الحقيقي بل إسلام الفي (تقليدي) فالمسلم الحقيقي الذي توجد في حقيقة لا اله إلا الله, فحقيقته بأنه يعزم وينوي من أعماق قلبه عبادة الله بعد اعتقاد هذه الكلمة وأن يشغف قلبه في كل حين بان رضي المعبود منه أم لا؟

(62) قال رحمه الله: إنني في هم كبير في شيئين لا بد أن يهتم فيهما: أحدهما: الذكر, وإنني أجد في جماعتي تقصير فيه ليؤكدوا على الذكر.

ثانيهما: أن يعلم أهل الأموال مصارف الزكاة, فان اكثر زكاتهم قد تضيع ولا تصرف في المصاريف الصحيحة, إنني أمليت أسماء أربعين شخصا الذين ليسوا بحريصين على اخذ الزكاة ولا يوجد فيهم الطمع لاخذها فانهم مشتغلون في عمل التبليغ وهم متوكلون على الله.

فلا بد من مساعدتهم فعلى أهل الأموال أن يتفقدوا لمثل هؤلاء وأي منهم كم حاجته؟ فأما الذين يؤدون زكاة أموالهم للسائلين والمهنيين والمتعودين على جمع التبرعات قد لا تتأدى للمصرف الصحيح.

(63) قال: ليكن بالعلم تولد العمل وبالعمل تولد الذكر فحينئذ يكون العلم علما والعمل عملا, فإذا لم يتولد بالعلم العمل فإذا فهو ظلمة أكيدة, وإذ لم يتولد ذكر الله في القلب بالعمل فهو مخلخل, والذكر بلا علم كذلك فتنة.

(64) قال رحمه الله: فليبين للعامة فضائل الهدية والصدقة والقرض, وذلك من واقع قصص الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين, أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتصدقون من كسب أيديهم فليس الأغنياء فقط الذين يتصدقون بل المساكين أيضا كانوا يعملون ويتصدقون من كسبهم بعض الشيء لانهم كانوا يقدرون الصدقة, فلما كان الصدقة هذا فضلها فالهداية افضل منها فهكذا القرض لها فضائل, مثلا عندما تحين مدة أداء القرض فكان القارض معسرا فحينئذ إذا امهله فعن كل يوم زاد عن المدة المعينة كان له اجر صدقتها.

أقول: وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من انظر معسرا فله كل يوم مثله صدقة, قلت: يا رسول الله سمعتك تقول: من انظر معسرا فله كل يوم مثله صدقة, ثم سمعتك تقول, من انظرا معسرا فله كل يوم مثله صدقة, قال له مثله قبل أن يحل الدين فإذا احل فانظره فله كل يوم مثلاه " رواه احمد.

(65) قال الشيخ رحمه الله: إنني أخشى على نفسي الاستدراج, فقلت: إن هذا الخوف عين الإيمان, قال الإمام حسن البصري: المؤمن يخشى على نفسه النفاق, ولكن الخشية في زمن الشباب حسن, وفي زمن الشيب حسن الظن بالله حسن, فقال الشيخ: صدقت.


سافر الشيخ قبل وفاته بعام في شهر رجب 1362هـ إلى بلدة لكنؤ و كانبور وذلك خروجا بغرض الدعوة والتبليغ, وكان هذا العاجز رفيقه في السفر, فهذه بعض أقاويل الشيخ في هذا القسط في ذلك السفر:

(66) قال الشيخ: يجب على الذين يشتركون في عملنا التبليغ أن يتيقنوا الأجر والثواب الذي وعدنا على عمل الدعوة والتبليغ في القران الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وكذلك الفضائل والبشائر الواردة فيهما أن يستمروا في العمل مستيقنين يقينا كاملا عليها وحريصين وآملين على حصولها لا يخفى عليهم أن الذين لبوا إلى الدين بجهودهم الحقيرة ثم الذين سيلبون إلى الدين في هذا السبيل إلى يوم القيامة والأعمال الصالحة التي سيعملونها فاجور أعمالهم الحسنة التي يحصلون عليها سوف يكون لهؤلاء أجورهم ومثل أجور الذين عملوا من بعدهم فلا ينقص من أجرهم شيئا حسب ما وعدنا (1) الله به بشرط أن تكون نياتنا خالصة وعملنا مقبول.




(67) قال رحمه الله: عندما أردتم أن تدعوا الناس إلى الانشغال في عمل التبليغ فلا بد أن تبينوا لهم إفادة الانشغال في هذا العمل وبينوا لهم أجرة وثوابه الأخروي بالتفصيل الوافي بحيث تكون الجنة كأنها أمامهم كما هي طريقة القرآن فبهذه الطريقة يسهل عليهم تحمل ما يخشونه من الحرج والخسارة الدنيوية البسيطة إن شاء الله، ويتمكن لهم غض البصر عنه.

(68) قال: عند جولات التبليغ وخاصة عند المخاطبة إننا نؤكد للجماعة بأن ينشغلوا في الذكر وهذا لسبب خاص هو عندما تقوم بإفهام و إقناع المخاطب حقيقة الشيء فعندما تكون أكثر القلوب في ذلك الوقت مصدقين وموقنين ومقتنعين من تلك الحقيقة فيأثر ذلك على قلوب الآخرين, فإن الله سبحانه وتعالى جعل في القلوب قوة ولكن الناس لا يعلمون.

(69) قال رحمه الله: أن ذكر الله حصن حصين من شر الشياطين, فلذا كلما كان اختلاطا في بيئة أسوء فليكن اهتمامنا للحفاظ من اثرات شياطين الجن والإنس في ذكر الله اكثر فاكثر.

(70) بدأ الشيخ خطابه لاحد فصول طلاب المدرسة الدينية بسؤال فقال: من انتم؟ (ثم أجاب بنفسه) وقال: انتم ضيوف الله ورسوله صلى الله عليه وسلم, فالضيف إذا أذى المضيف, فأذيته اشد من الذي يؤذيه غير المضيف, انتم مادمتم طلابا للعلم وما عملتم بما يرضى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وسرتم في سبيل خاطئ فاعلموا إذا ستكونون من الضيوف الذين يؤذون الله ورسوله صلى الله عليه وعلى اله وسلم.

(71) قال في خطابه لنفس الطلبة أقول لكم: أن الشيطان مكار وعيار فانه يتفقد ويلحق الثمين. فإنكم قد خرجتم من بيوتكم لطلب العلم, فأئيس من أن تبقوا جهلاء فعزم على أن تتعلموا ولكنه يحاول أن تنشغلوا في عمله.

فان حركتي هذه جرِّ ثقيل مقابل هذه المحاولة التي غايتها نقل عباد الله من سبيل الشيطان إلى سبيل الله وأشغالهم في طاعة الله. قولوا بما ذا تحكمون.

(72) قال في نفس الخطاب: والذين لهم حقوق الخدمة في ذمتكم والذين إطاعتكم لهم واجبة (1) فنسقوا ورتبوا لهم برنامج خدمتهم وراحتهم وبعد اطمئنانهم أخرجوا لهذا العمل. واجعلوا معاملتكم بحيث إذا رأوا ولاة أموركم الرقى في ذوق عملكم وصلاحكم بانشغالكم في هذا العمل أن يكونوا مطمئنون منكم بل ويكونوا من الراغبين فيه.

(73) قال رحمه الله: إنما اصل المطلوب والمقصود في أمور الدين هو رضا الإله والأجر الأخروي فقط, واما الانعامات والبركات الموعودة في الدنيا كالراحة وعيشة العز أو كالاستخلاف والتمكين في الأرض فإنها ليست مطلوبة بل موعودة.

أعني الأعمال التي نعملها تكن خالصة لرضا الرب وللفلاح في الآخرة فقط مع هذا نؤمن بالعهود بل علينا أن ندعو لحصولها ولكن لا يكن مقصود عبادتنا وطاعاتنا تلك.

والفرق بين الموعود والمطلوب يمكن أن تفهموا جيدا بالمثال الآتي:

فإن المقصود والمطلوب من الزواج هو حصول الزوجة والتمتع بها, أما ما يأتي معها من الجهيز (1) وغيره الذي هو يكون موعودا عرفا ولا يوجد في الدنيا إلا الأحمق الذي يقول أنني لا أتزوج إلا لحصول الجهيز فقط, ولو فرضنا انه يفعل ذلك وعلمت زوجته بأنه لا يتزوجها إلا لأجل تجهيز الذي كان قد يأتي معها فقدروا ما تكون مكانته في قلبها؟

(74) قال رحمه الله: الشيء الذي يمتاز به الإنسان عن الحيوان هو اللسان والنطق، من المفروض أن لا يكون هذا الامتياز إلا في الخير ولكن في الشر أيضاً يمتاز، يعني كما أن الإنسان بنطقه باللسان الصحيح واستعماله في الله وفي الدين يرتفع في الخير والسعادة من الملائكة، فكذلك باستعمال ذلك اللسان في غير الصواب يطيح عن مثل الكلب والخنزير من الحيوانات لقوله صلى الله عليه وسلم: ((وهل يكب الناس علي مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)) الحديث.

(75) قبل عدة أيام حينما توفي حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله فجاء رجل من محبي ومبايعي الشيخ المذكور لزيارة الشيخ محمد إلياس فعلى ذلك قال: فإن المشايخ الذين قد توسعت حلقة محبيهم ومتعلقيهم مثل الشيخ التهانوي قُدس سره فيجب أن يفكر في تعزية عمومية لهم. وأتمنى أن أعزي جميع متعلقي الشيخ التهانوي وتنشر بالذات هذه المقالة فيهم بأن أعلى وأحكم طريقة الاستفادة من بركات الشيخ وطريقة الجهد في الرقي إلى أعلى الدرجات وزيادة السرور لروحه هو أن يعمل على تعليمات الشيخ الحقة بالاستقامة والاجتهاد في نشر تلك التعليمات.

فقدر ما يعمل على تعليمات الشيخ فموجب ((من دعى إلى حسنة فله أجرها وأجر من عملها)) قدرها تزيد حسناته وترقى درجاته باستمرار، ثم قال: هذا من أحسن الطرق لإيصال الثواب له.

(76) قال رحمه الله: إن الشخص الذي يظن في نفسه أنه ليس أهلاً للتبليغ فلا يجلس فارغاً قط بل عليه أن ينشغل في العمل وأن ينشغل في تحريض الآخرين أكثر. لأنه قد يحصل الخير الكثير لمن هو أهل له من طرف الذي هو غير أهل له، ثم ينمو ذلك الخير ويزيد ثم يصل أجره بصفة مستمرة إلى هذا الذي لم يكن أهلاً له لأنه كان هو السبب في إبلاغه له وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم ((من دعى إلى حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها)) الحديث.

فلذا من يكن غير أهل له فيلزمه أن يعمل في هذا المجال بحماس وشدة. ولأنني أنا أعتبر نفسي أنني لست بأهل له فلذا أنا منهمك فيه أملاً من الله بأنه ربما بجهدي هذا يصل هذا العمل إلى من هو أهل له ثم أوجرها عند الله من الأجر الأعلى الذي قرره الله لهذا العمل.

(77) قال: إن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه...)) معروف.

ثم قال: إن درجة ((فبقلبه)) درجة أخيرة ولها طريقة أخرى أيضاً وهي من أصحاب القلوب يقومون باستعمال قوات قلوبهم يعني يقومون باستعمال عزائمهم وتركيز توجههم.

ثم قال في نفس الموضوع: إن الإمام عبد الوهاب الشعراني كتب طريقة استحصال درجة القطبية. وحاصلها أن المعرفات التي قد محيت وميتت من أرض الله يتصورها ثم يحس بالألم في قلبه فبإلحاح كامل وتضرع يدعو الله بعزم بأن يحيها الله ويستعمل قوة قلبه في إحيائها.

وهكذا المنكرات المنتشرة في العالم يتصورها في ذهنه ثم يحس بسب انتشارها الألم الموجع ثم يدعو الله تعالى بتضرع وابتهال بأن يمحيها الله سبحانه ويستعمل عزمه وتوجهه في استيصالها.

فقال الإمام عبد الوهاب الشعراني: من كان عمله هذا باستمرار يكون قطب عصره إن شاء الله.

(78) قال الشيخ رحمه الله: إن أصل الذكر وأعلاه هو مراعاة أحكام الله تعالى في كل وقت حسب أحواله، وفي قوله تعالى:) لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله (إذا كان الرجل يراعي حدود الله ويمتثل أوامر الله في تجارته وفي تعامله مع أولاده فهو من الذاكرين الله وإن كان مشغولاً في هذه المعاملات.

(79) قال: إنما الجنة للمتواضعين. فبالإنسان إذا كان فيه شيء من الكبر، فأولاً يدخل جهنم ليحرق الكبر. فعندما لم يبقى فيه إلا التواضع بعد إحراق الكبر فيرسل إلى الجنة، فعلى كل حال لا يدخل أحد الجنة وفيه كبر.

أقول: وقد ورد في الحديث: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) أعاذنا الله من الكبر بفضله ورحمته.

(80) قال رحمه الله: إن مشايخنا منعوا غير السالكين قراءة كتب الصوفية، إنما السالكين الذين هم في تربية المشايخ المحققين فلا حرج عليهم في مطالعتها.

(81) عندما أراد الشيخ رحمه الله السفر إلى لكنؤ فدعا أحد العلماء المعروفين ليأتي مع الجماعة إلى لكنؤ فآتى ذلك إلى لكنؤ.

فقال له الشيخ في أحد الأوقات: يا شيخ إنني لم أكلف عليك بأن تحضر وتلقي المحاضرة علينا. لأن إلقاء المحاضرات والوعظ في عملنا هذا له درجة ثانية، إنما لا أكلف على الشخصيات مثلك على الأسفار إلا لأنكم بسبب مشاغلكم في أماكنكم لا تجدون فرصة في أن تعمقوا النظر والفكر في عملي هذا، ولكن عندما تكونون في سفر وبعيدين عن مشاغلكم وبيئتكم فيتمكن لكم سماع كلامي باطمئنان وأن تنظروا عمل الجماعة بأم أعينكم ويمكنكم التفكر فيه جيداً.

(82) قال: رغبوا الناس في أن يخرجوا من بيوتهم لتعلم الدين وتعليمه بأموالهم، وإن لم يستطيعوا (1) أو لم يرضوا بهذا الإيثار(2) فحاولوا حتى الإمكان إن تدبروا لهم ما يخرجون به من بيئتهم وإن كان هذا أيضاً لا يمكن فإذاً دبروا لهم من مكان آخر. وعلى كل حال يكون هذا في البال أن لا يولد فيهم الإشراف. والإشراف هو أن ينظر في حاجاته إلى الناس بدلاً من أن يكون نظره إلى الله تعالى، وهذا الشيء يخلخل عروق شجرة الإيمان.

وكذلك الذين يخرجون افهموهم جيداً: إن المشاق (1) في هذا السبيل كالجوع والعطش وغيره ليظنوه رحمة من الله، لأن المشاق في هذا السبيل غذاء الأنبياء والصديقين والمقربين.

(83)قال الشيخ رحمه الله: أيها الأحباب لا زال الآن وقت العمل سيصيب الدين خطران شديدان عن زمن قريب: الخطر الأول: سيجتهد الكفر في دعوته الجهال العامة مثل (حركة شدهي (2))

والخطر الثاني: الإلحاد الذي لا زال يتقدم عن طريق الحكم الغربي والسياسة الغربية، وهذان الضلالتان سوف تأتيكم مثل السيل، فما كنتم فاعلوه فافعلوا قبل وصولهما إليكم.

(84) قال الشيخ رحمه الله: إن طريقة التعليم والتربية العامة التي نحن نريد أن نعمها هي الطريقة التي كانت سارية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبتلك الطريقة كان تعلم الدين وتعليمه، والطرق الأخرى التي جرت بعدها مثل التصنيف والتأليف وتعليم الكتب وغيرها،إنها أحدثتها الضرورة، وأما الناس الآن ظنوا أنها هي الأصل ونسوا طريقة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنها هي الطريقة الأصلية، وأن التعليم والتربية بحيث تحصي وتشمل العامة لا تتمكن إلا بنفس تلك الطريقة.

(85) قال الشيخ رحمه الله: متى ما تمكن لي السفر إلى الميوات، كان من رفقائي مجمع من أهل الخير وأهل الذكر ومع هذا بالاختلاط بين العامة تتغير حالة القلب (1) تغيراً بحيث إذا لم أغسله بالاعتكاف أو بالسكن في مجمع خاص بسهانفور (2) أو برائيفور (3) لا ترجع حالة القلب إلى حالته السابقة.

وكان يقول أحياناً لأحبابه المنشغلين في عمل الدين: إن الأثرات الطبيعية التي ترد عليهم بالخروج وبالجولات فعليهم أن يغسلوها بالذكر والفكر في الخلوة.

(86) قال الشيخ رحمه الله: وعلى الأحباب العاملين في التبليغ أن يزوروا ثلاثة طبقات باهتمام خاص ولثلاثة مقاصد فقط:

(1) الحضور في خدمة العلماء والصلحاء لتعلم الدين وللحصول على أثرات الدين الطبية.

(2) الذهاب إلى الناس الذين هم أدنى منهم درجة وينشر فيهم التعاليم الدينية، ليكون هذا النشر سبب لتكميل الدين والرسوخ فيه.

(3) الذهاب إلى فئات مختلفة: ليجذب منهم المحاسن الطبية المتنوعة.

(87) قال يوماً وهو يدعو: اللهم إن الشفقة والترحم على الكفار الذي من المفروض أن يكون فينا من حيث أنهم عبيدك، والحقوق التي تعود إلينا بهذا السبب، وبتوفيق أدائها، كرَه إلى قلوبنا الكفر والفسوق كراهية تامة.

(88) قال رحمه الله: ليُكفر كثيراً في أن يشتركوا العلماء والصلحاء في جهد التبليغ والتربية وأن يرضوا ويطمئنوا له، وأينما علم عنهم أنهم خالفوا ولم يرتاحوا له فاعتبروهم أنهم معذورون أولوا عنهم تأويلاً حسناً (1) واستمروا في الحضور في خدماتهم بنية الاستفادة الدينية ولحصول البركات.

(89) قال الشيخ رحمه الله: إن نفس الإسلام أيضاً له قدر وقيمة عند الله تعالى وإن اختلط فيه فسق وفجور لأن المؤمن الفاسق والفاجر يغفر له ولو كان في الأخير، فلذا علينا نحن أن نقدر الرجل الذي يوجد في أدنى نسبة للإسلام، ونعتبره أخاً لنا نعامله على هذا الأساس، وما يوجد فيه من فسق وفجور وعصيان فنحن المسئولون عنه أيضاً بأن غفلتنا هي السبب وهذه نتيجة عدم جهدنا في الدين.

(90) قال رحمه الله: إن عملنا هذا هو من أساسيات الدين، وحركتنا هذه حركة حقيقة الإيمان، وأما الأعمال الاجتماعية الأخرى التي تُعمل هذه الأيام فيفترضون أن أساس الإيمان موجود فيقومون بالتعمير الظاهري وجل فكرهم في اللوازم الظاهرية. أما نحن فجُل همنا نحو الأمة أن يدخل نور الإيمان الصحيح في القلوب أولاً (1).

أقول: يؤيد قوله قول الصحابة: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن. والإيمان هو أساس جميع الأعمال والأحكام.

(91) قال الشيخ رحمه الله: إن أصل المرض في الأمة هذا الزمن عندنا هو فقدان الطلب وعدم التقدير للدين في قلوبنا، فإذا تولد فكر الدين وطلبه في القلوب فنرى الإيمان والإيمانيات تحضر بعد نظرة ونظرة، فأصل مقصدنا بهذه الحركة حالياً هو أن نجتهد في تولد الطلب والتقدير للدين وليس تلقين وتصحيح الشهادتين والصلاة وغيره فقط.

(92) قال: إن في طريقتنا خروج الجماعات للدين بعيداً عن بيوتهم لها أهمية خاصة، وفائدته الخاصة هي أن الشخص يخرج من البيئة الدائمة الجامدة إلى البيئة الجديدة الصالحة المتحركة وتكون له فيها أسباب كثيرة التي تنمو بها مشاعره الدينية، والمشقات التي تأتي بسبب التنقلات هنا وهناك، فبهذه الأسباب تتوجه رحمة الله الخاصة لقوله تعالى:) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا (ولهذا السبب مهما كان سفر الهجرة أطول فبقدره يكون مفيداً أكثر.

(93) قال الشيخ رحمه الله: إن هذا السفر يحمل بداخله خصائص الغزوات، فلذا نرجو أن يكون الأجر أيضاً مثلها، هذا وإن لم يكن قتالاً ولكنه جزء من أجزائه من حيث بعض الوجوه، وإن كان أقل درجة من القتال ولكن من حيث البعض هو أعلى منه. مثلاً أن القتال فيه طريقة شفاء الغيظ وإطفاء شعلة الغضب، أما هنا فليس إلا كظم الغيظ لله ولدينه ومكثٌ في أقدام الناس تخدع الناس فهي مذلة فقط.

(94) قال رحمه الله: إن هذه الحركة في الواقع رياضة (1) في درجتها العليا. للأسف أن الناس لا يفهمون حقيقتها.

(95) قال: إن الذين يريدون أن يأتوا عندنا في نظام الدين لتعلم عمل التبليغ، فعلموهم عدة هذه الأمور جيداً قبل قدومهم:

(أ) أن يأتوا عندنا لأطول وقت ممكن.

(ب) فلا يكتفوا بقدوم مرة واحدة فقط بل يستمروا في القدوم.

(ج) لا يأتي أحدهم بإرادة الإقامة فقط، بل حسب القرار يكون مستعداً للخروج وأحياناً تكون الإقامة في نظام الدين أيضاً.

(د) وكذلك أفهموهم بأنه عندما يريدون رفقاؤه العودة وبمشاهدته إياهم تقوم نفسه ترغبه علي العودة فعندما يخالف نفسه. والالتزام بالعزم وقوة الإرادة في ذلك الوقت فأجره ما لا يحصى، ومثال هؤلاء الذين عزموا بعدم العودة كمثل المجاهدين في سبيل الله الذين ثبتوا في ميدان الجهاد عندما ولّوا الذين عن يمينهم وعن شمائلهم مدبرين.

(هـ) فكذلك أخبروهم بأن في هذا الطريق قد تأتي المكارة (مشقات ومصائب وأمور خلاف طبيعة)، وأجرها في الآخرة عل قدر المشقة.

(96) قال الشيخ رحمه الله: فلنفكر بعد حين وحين باطمئنان أن في أي الأماكن يوجدون الذين يقدروننا وفي أي الأماكن تكون نتيجة جهدنا مثمرة؟ ثم يفكر بأن كيف تكون طريقة دعوتنا مناسبة لذلك المكان، وكيف يكون المصير، وكيف يكون ترتيب عملنا, ثم يشرع في ذلك متوكلين على الله حسب التخطيط (1)

(97) قال: إذا ظننا عن أحد انه لا يمكن أن نوجه إلى الدين إلا بعد إقامة العلاقات معه والتقرب منه بخدمته, فمثل هذا يخدم أولا, فإنما ينوي بالخدمة انه سيخرجه في سبيل الله فمع هذا الأمل يستعين الله بالدعاء له أيضا.

(98) قال: إن بعض الناس لعدم علمهم عن أعماق دعوة الإيمان هذه لم يرغبوا فيها, فلذا هم قائمون بنشر بعض الأحكام والمسائل الدينية التي مقصرون فيها المسلمون فيرونها أهم من ذلك, فمثلا الشخص الفلاني واتباعه يرون أن نشر أحكام الشرعية الفلانية واصلاح العادات الرزيلة الفلانية لها أهمية اكثر فلتكن طريقتنا مع هؤلاء أن نحرضهم على القيام بان يجتهدوا لنشر الأحكام والمسائل واصلاح العادات الرزيلة في ميوات, لان أهل ميوات مقصرون جدا حتى الآن لم يعم فيها تقسيم التركة والوراثة حسب الطريقة الشرعية إلا قليلا وكذلك لا زالت فيهم بعض العادات السيئة منها على سبيل المثال انه لم يعم فيهم التزوج في الأقارب

(أقول: وهي من عادات الهندوسية)

فالشخص الفلاني واتباعه فيحرضوا على القيام لنشر هذه الأحكام في ميوات فيخبروا إن أهل الميوات قد انسوا عمل الدعوة والتبليغ على حد ما. فإذا انتم اهتممتم قليلا في رعاية عمل التبليغ فإنكم تجدون النصرة في عملكم في نشر أحكام الشرع, واصلاح العادات الباطلة, وبهذه الطريقة تستطيعون نشر تلك الأحكام والمسائل واصلاح العادات الجاهلية المعممة في ميوات بسهولة وبهذه الطريقة يستطيعون أولئك الأشخاص أن يفهموا عمق مهمة التبليغ وسعته ويتمكنوا من مشاهدة اثراته ونتائجه ثم سيتوجهون إلى هذا العمل إن شاء الله تعالى.

(99) قال رحمه الله: أنا عندما اطلب طبيبا للعلاج فإنما اطلبه لادعوه إلى عمل الدعوة والتبليغ, واجعل معالجتي منه حيله, فادعوه إلى الانشغال في دعوة الله. فلاجل ذلك لا اسمح له للمعالجة إلا للأطباء الذين فيهم أمل لامكانية قبول هذه الدعوة الدينية.

(100) قال: أنا أرى الجواز لاجل صحتي ولبقاء حياتي أن اصلي قاعدا بدلا أن اصلي قائما,, ولكن لاجل بقاء قيام هذا الدين لا ارجح بقاء حياتي.

(101) قال: من أهم أصول هذه الدعوة والتبليغ أن نشدد في الخطاب العام. ولكن في الخطاب الخاص تلين قدر الإمكان بل مهما أمكن نحاول أن يكون الخطاب عاما لاصلاح عامة الناس حتى ولو رأينا الخطأ في زميلنا الخاص فحتى الإمكان نحاول إصلاحه في ضمن الخطاب العام أيضا فهذه هي طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العامة فانه كان في تنبيه أخطاء بعض أصحابه بالتعيين يقول ما بال أقوام أي بعنوان عام كان ينبه وان رأينا أن الضرورة لخطاب خاص فبالمحبة واللين مع ملاحظة أن لا ننبه على الفور لان بعض الناس لا يملكون نفوسهم فيردوا عليك ويقيموا الحجج, فلذا يصرف النظر عنه في ذلك الوقت. ثم في وقت آخر وفي وقت مناسب في خلوة وبالمحبة ينبه على الخطأ.

(102) قال رحمه الله: نحن بهذه الدعوة نريد أن نصلح ونوحد علماء وصلحاء جميع الأماكن واهل دينها واهل دنياها, ونعرفهم فيما بينهم, وكذلك رغبتنا أن نولد الألفة والمحبة والتعاون بين العلماء والصلحاء المتعلقين بالشئون المختلفة بل هذا من أهم مقاصدنا. وهذه الدعوة الدينية ستكون هي الوسيلة في ذلك إن شاء الله.

إنما الاختلاف في الأفراد والجماعات ينشأ ويزيد بسبب اختلاف الأغراض, فنحن نجتهد في أعمال جميع فرق المسلمين في عمل الدين بان يكون أهم مقصودهم خدمة الدين فتكون طريقة جهدنا فيهم بحيث يصبح حرصهم وطريق عملكم يتوافق فيما بينهم وهذا الطريق الوحيد الذي يبدل التنافر إلى التحابب فيما بينهم, فكروا أن من يقوم بالصلح بين شخصين فاجره كبير جدا, فما بالكم فيمن اجتهد في الصلح بين مختلف طبقات وفرق الأمة بأسرها كيف يكون مقدار الأجر فيه.

(103) قال رحمه الله: الترتيب الصحيح لفهم وتعلم هذا هو أن يأتي ويقيم هنا عدة أيام ويتكلم مع المقيمين القدماء هنا فلا يلازم مقابلتي ومكالمتي فقط إنما أنا بنفسي إذا قلت شيئا فيسمعني, فيخرج ويشارك في الجولات المجاورة اليومية ثم يذهب إلى الميوات ويتدرب في العمل هناك ثم يعود إلى مكان إقامته فيعمل فيه.

(104) قال: من حاجتنا المهمة أن من جميع طبقات الناس من العلماء وأهل الذكر وأهل علوم الدنيوية والتجار وعامة الناس المساكين الذين لهم علاقة بالتبليغ أن يكونوا في الجمع هنا دائماً.

فبهذا يسهل ويدرك فهم طريقة عملنا عملياً, وما نريده من الاختلاط والتعاون بين الطبقات المختلفة فبهذا يقوى الأساس إن شاء الله.

(105) قال الشيخ رحمه الله: إن في حركتنا هذه أهمية كبيرة لتصحيح النبية فليكن جل هم العاملين امتثال أوامر الله ورضاه سبحانه, وقدر ما يكون الرجل من هذه الناحية مخلصا وقويا فكذلك الأجر يكون اعظم واكبر, ومن القواعد العامة انه إذا ظهرت مصالح ومنافع تضحيات الدين وشوهدت بأم اعيننا فالأجر ينقص, لانه حينئذ تصبح تلك المصالح كذلك من المقصود بطبيعة الحال, انظروا إلى التضحيات النفسية والمالية قبل فتح مكة كانت اعظم أجرا وبعد ذلك لم يكن الأجر مثل ما كان قبل الفتح لان بعد الفتح شوهدت الغلبة والحكم بالأعين حيث قال تعالى:)لا يستوي منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل أولئك اعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى (.

(106) في أحد الأيام كان الشيخ رحمه الله في سيره شخصين مواتيين الذين كانا في عمل الدعوة والتبليغ معه في أول الأمر فقال: إن نسبة هذا العمل التبليغي عادت إليّ بسبب الدعوة وإلا فالأصل العاملين فيها هما هذا ن الشخصان، وإنني أرجو من الذين يحببونني لأجل هذا العمل أن يوجهوا حبهم إلى هذين الشخصين ولو جبراً على أنفسهم، لأن حبهم لهما يكون سبباً لقبول خدمات محبيها.

(107) وقال في نفس الموضوع: إن لهذين الرجلين حقوق عليّ ولا أستطيع أن أؤدي حقوقهما فعلى أحبائي أن يعرفوا حقوقهما.

(108) قال رحمه الله: إنما نصيب المخلصين الصادقين في جهد الدين هو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والحصول على رضاهما فقط عندما تكون الفتوحات وتتحصل الأموال فينظر فيها أولاً إلي الضعفاء والمؤلفة قلوبهم، فنظراً إلى هذه الأصول أقول لكم: إن الذين لم يفهموا حقيقة عملنا هذا حتى الآن ولم يرغبوا إلى هذا العمل فيطلب منهم الحضور إلى هنا فيدبر لهم أجرة سفرهم أيضاً ويهتم لهم في خدمتهم ومداراتهم. وأما المخلصين الذين انشغلوا في هذا العمل وفهموا حقيقته فلا حاجة لهؤلاء إلى مثل هذا الاهتمام.

أقول: إن الشيخ رحمه الله قد استنبط هذه الأصول من حديث أنس رضي الله عنه قال: إن ناساً من الأنصار قالوا حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فحدث ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم أحداً غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال: فقهاءهم: أما ذووا رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً، وأما أناساً منا حديث أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويدع الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم لولا الهجرة لكنت إمرأ من الأنصار ولو سلك الناس وادياً وسلك الأنصار وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها, الأنصار شعار والناس دثار, إِنكم ترون من بعدي أثره فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. رواه البخاري.

(109) قال رحمه الله: وفي هذه الأيام قد عم سوء الفهم في باب الدين بأن جُعلتْ المبادئ في مقام الغايات, وجُعلتْ الأسباب في مقام المقاصد, فإذا اعمقتم النظر فترى أن جميع شعب الدين هذا حالها في سوء الفهم, فهذا الشيء أساس لآلاف المفاسد.

(أقول): أي صار الجهد في حصول المبادئ بدل الغايات وكذلك الجهد في الأسباب بدل المقاصد وهذه من المفاسد العظيمة التي ابتلينا فيها.

(110) قال رحمه الله: إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن للسائل عليك حقا وإن جاء على فرس)) فإن عامة الناس يخطئون في فهمه ويقولون: إن السائل مهما كان في حاله فيعطى له ما سأل، وهذا خطأ منهم في فهم الحديث، ومعنى الحديث هو: أن من حقه عليك أن تعامله معاملة مناسبة وتنصح له وتساعده بطريقة لا تتكبر عليه ولا تحقره) أما السائل فلا تنهر (، فهذا النصح والمساعدة أحياناً تكون بإعطائه ما سأل، وأحياناً تكون المساعدة ومقتضاها أن تنصحه لإزالة مذلة السؤال عنه وتوجهه إلى تدبير معاشه بطريقة مناسبة، تساعده حسب الظروف في ذلك كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع بعض السائلين بحيث أمره ببيعة القدح فيشتري بقيمته الفأس، فقال له: اخرج فاحتطب فبعها فهكذا دبر أمور معاشك.

فإذا كان السائل معوق بل يكون بحيث يستطيع أن يدبر لمعاشه أي عمل فمن حقه علينا أن ننقذه من السؤال بالحكمة والموعظة ويحاول أن يقوم بأي عمل. (أقول: وهذا من حقك عليه).

النصوص في ضوء عمل الرسول صلى الله عليه وسلم فلا نخطأ إن شاء الله في الفهم.

أقول: وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فقال: أما في بيتك شيء؟ فقال: بلى، حلْسٌ (1) نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب (2) نشرب فيه الماء. قال: ائتني بهما، فأتا بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما ً(1)فأتني به، فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قال: اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمس عشر يوماً، فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا يصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع)).رواه أبو داود.

(111) قال الشيخ: إن الأنبياء عليهم السلام مع أنهم معصومون ومحفوظون فإنهم يتحصلون على العلوم والتعليمات مباشرة من الله تعالى، ولكن مع هذا عندما يقومون بتبليغ تلك العلوم والتعليمات ففي خلالها يتلاقون شتى أنواع الناس الذين يأتونهم والذين يذهبون إليهم فتتأثر تلك القلوب المنورة المباركة بمنكدرات عامة الناس (1). ثم بالذكر والعبادة في الخلوة يغسلون ذلك الغبار، وقال: فإن ما أمر في سورة المزمل،) إن لك في النهار سبحاً طويلا(ففيه إشارة إلى أنه في حاجة إلى العبادة في الخلوة بسبب سعيه في النهار ثم بالآية الآتية:) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا(يتأكد هذا الموضوع أكثر.

فالذين يسعون في عمل الدعوة والتبليغ فإنهم بالذات هم اشد حاجة في أن يقومون بالتفكير والذكر والعبادات في الخلوات، فعلينا نحن أن نعمل بموجب هذه الآيات بل نحن أحوج بأكثر من ذلك، أولا لأننا نحن ضعفاء وفينا ظلمات ثم أن أكابرنا الذين تتحصل لنا منهم الفيوض الدينية والتعليمات هم أيضاً غير معصومين مثلنا، والذين نذهب إليهم هم أيضاً عامة الناس، القصد إنا نحن فينا كدورات وأن طرفَيْنا أيضاً فيهما كدورات بشرية وأن تأثيرها فينا أمرٌ فطري وضروري فلذلك نحن أحوج بكثير من أن نهتم في ذكر الله والعبادات في ظلمات وخلوات الليل وأن نلتزم بها، وهذا علاج خاص لأثرات القلوب.

وقال في نفس الموضوع: إن المشايخ الذين نأخذ منهم الفيوض الدينية أن تكون علاقتنا معهم من الجهة الدينية فقط وأن تحرص على أقوالهم وأفعالهم في نفس هذه العلاقة الدينية فقط، وأما العلاقات الأخرى الذاتية أو العائلية الخاصة بهم فلا نتدخل فيها بل نحاول أن لا نسمع عنها لأن هذه الأمور من نصيبهم البشرية فلا بد أن تكون فيها كدورات، فلما يشغل الشخص توجهه إلى تلك الأمور فمن الضروري أن تأتيه تلك الكدورات وربما يتولد فيه الوسواس فيكون سبباً لبعده وحرمانه فلأجل ذلك أن المشايخ يؤكدون في كتبهم على السالك أن يحذر من النظر في أحوالهم العائلية.

(112) قال الشيخ: على أهل العلم وذو الهيئات أن يقوموا بالعمل المشار إليه وهو أن يفكروا لكل جمعة آتية من قبل ويقرروا بأنهم يصلون صلاة الجمعة في الحي الفلاني وأن يختاروا الأحياء الفقيرة شعبيتها الأكثر جهلاً مثل مساكن الغسالين والسقاة والسائقين للأجرة والحمالين والبقالين مثل هؤلاء الناس وإن كان جهلهم وغفلتهم أكثر ولكن لم يكونوا متمردين ولا منكرين فتختار مثل هذه المساجد من قبل فكذلك يخبر الأصدقاء والأحباب عن هذا بل يرغبوا أن يذهب إلى ذلك سوياً، ثم بعد الوصول إلى هناك تعمل جولات قبل صلاة الجمعة فيرغب الناس في الحضور إلى صلاة الجمعة ثم بعد صلاة الجمعة يبلغوا ضرورة أهمية الدين وتعليمه ثم يدعوا إلى الخروج مع جماعة التبليغ لبعض الأيام لتعلم وعمل الدين الضروري ثم إذا خرج الرجال منهم ولو اقل القليل فيرسلوا مع جماعة مناسبة لهم.

(113) وفي نفس الموضوع قال الشيخ: إذا استعد بعض الفقراء من منطقة للخروج مع جماعة التبليغ وهم ليسوا قادرين على المصاريف فعلينا أن نحاول حتى الإمكان أن نخرج بعض الأغنياء من نفس منطقتهم ونحرضهم على الإنفاق على الفقراء ونبين لهم عظمة الأجر, وان رغبوا في مساعدة زميلهم الفقير فبأصوله, فلا بد أن يستفسر طريقها من الأحباب القدماء المجربين فباستشارتهم يعمل ذلك, فبالطريقة الخاطئة قد تنشأ المفاسد.

ثم بعد ذلك بين الشيخ بعض أصول الإنفاق على الفقراء وغالب ظني انه قال لي أن اكتبها.

(أ‌) فينفق على غير المستطيعين بحيث انه لا يظن أنها هذه الوسيلة الدائمة وان لا يتولد فيه الإشراف قط.

(ب‌) وان تكون النفقة لتأليف القلب, فلذا لا تكون النفقة إلا بقدر التألف ثم قدر ما يأنس ويألف الدين فقدرها تسحب يد النفقة منه, فيحرض على أن يعمل ويكسب بيده ويعمل هذا العمل بكسب يده أو يتدين له على قدر حاجته كما يتدين لحوائجه الضرورية فيعتبر هذا العمل من أهم الحوائج فيتدين له حسب ظروفه, والعزيمة في هذا الطريق هو أن لا يكون محسنا عليه, فسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي كان يفادي بكل شيء فعندما أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند الهجرة ناقة فلم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية إنما ثمنها فاقترضها منه. ولكن يساعد حسب مناسبته للعمل إلى أن تنشأ فيه تلك الرغبة وذلك الحرص والطعم على العمل.

(ج) من آداب الإنفاق أن يعطي المال بالإخفاء التام وبعز واحترام المعطى له وان يعتبر المنفق الغني بان قبول الفقير المشغول في أمور الدين لماله إحسانا إليه ويعتبره أن الفقير المشغول في أمور الدين هو افضل منه لكن الفقير مع فقره وحسرته خرج من بيته لأجل الدين فالخروج من البيوت لأجل الدين فمثل الهجرة ونصرتهم مثل النصرة فلا يستوي المهاجرين والأنصار.

(د) فنصرة الذين يعملون في هذا الطريق المالية لو تكون هدية أفضل مما تكون صدقة أو زكاة لأن الصدقة والزكاة مثلها كوسخ غليان القدر ومثل الأجزاء الرديئة فإخراجها منه ضروري وإلا لفسد الطبخ الذي في القدر, وأما مثال الهدية مثل الأكل الجاهز للأكل وزيد فيه رائحة طيبة فازداد رونقه.

(هـ) ومن أحسن طرق الإعانة للذين يخرجون من أهاليهم في سبيل الدين أن يذهب إِلى أهاليهم فتقضى حاجاتهم ولوازمهم ويحاول في أن يكونوا مرتاحين في غياب رجالهم ويخبروا بان الذين خرجوا من بيتكم فهم خرجوا لعمل عظيم ويا لها من مرتبهم, والمقصود أن بخدمتهم وترغيبهم يكونون مطمئنين بدرجة انهم يكتبوا للذين خرجوا بأننا نحن مطمئنون ومرتاحون فنرجوا منكم بان سيروا في عملكم الديني باطمئنان وبأكمل وجه.

(و) وبخصوص الإعانة المالية فلا بد من تفقد الأحوال اعني الأشخاص المشتغلون في الدين بصفة مستمرة فيترصد احتياجاتهم ويستخبر سرا كيف تمر حياتهم المادية.

(ز) توجد طريقة (خاصة) لتفقد الأحوال التي أرجوها أن تعمم. وهي أن أهل الثروى يرسلوا نسائهم إلى نساء الفقراء الذين قد خرجوا في الدعوة ففي هذه الزيارة تتألف قلوبهن ويتشجعن نساؤهم، فتنكشف بعض الأحوال المادية كذلك.

(114) وفي نفس الموضوع قال الشيخ رحمه الله: وما ورد في النصوص عن بركات الإنفاق في سبيل الله وذلك ليس أجر الإنفاق، لأن أصل الأجر لا يتحمله هذا العالم لأن النعم الخاصة الأخروية ليس هذا مكانها، انظر إلى مخلوق الله مثل الجبل مع كونه شديداً، وسيدنا موسى عليه السلام كان من أولي العزم من الرسل فلما تجلى الله لم يتحمل فقال تعالى:) فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقاً (.

وقال الشيخ: لو أنزلت نعم الجنة في الدنيا لوقع الموت بسبب الفرح فهكذا حال عذاب الآخرة لو توجهت عقربة النار إلى الدنيا لنالت الدنيا كلها بسبب سمها.

(115) وفي نفس الموضوع قال الشيخ رحمه الله: وقد ورد في القرآن الكريم) مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (الآية، فهذا المثال فإنما هو للبركات الدنيوية، وأما أجر الإنفاق في الآخرة فإنما هو وراء الوراء وإلى ذلك إشارة في الآية الآتية بعدها حيث قال الله تعالى) الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(ففي هذه الآية كلمة) لهم أجرهم عند ربهم (إشارة إلى ذاك الأجر الأخروي الذي يتحصل في الآخرة.

(116) وفي نفس الموضوع قال الشيخ رحمه الله: إنما الأصل هو أن لا يعمل العمل الديني إلا للأجر الأخروي فقط.

ولكن لأجل الترغيب فيه تذكر بركات الدنيا أيضاً حسب الظروف لأن بعض الناس مبدئياً لا يعملون إلا لأجل البركات الدنيوية ثم ببركات ذلك العمل يشرفه الله تعالى بالإخلاص الحقيقي.

فقال: إن البركات الدنيوية موعودة وليست مقصودة فلا نجعلها مقصودة بل مطلوبة، إنما نطلبها من الله بكثرت الدعاء لأن العبد في أشد الحاجة لكل نعمة من قبل الله تعالى.

(رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير).

(117) قال الشيخ رحمه الله: إن ما ذكر الله تعالى من الوعود فلا شك إنها يقينية وقطعية.

وأما ما يفكر الإنسان وما يخططه بعقله في ضوء تجرباته فإنه ظني محض، ولكن الحال العام اليوم إن الناس يجدون ويجتهدون اعتماداً على تخطيطهم ما لا يجدون ويجتهدون في إتمام شروط الله على وعوده ليكونوا مستحقين لتلك الوعود.

فيعلم من هذا أن الناس يعتمدون على خططهم أكثر مما يعتمدون على وعود الله سبحانه وتعالى.

فهذا ليس حال عامتنا فحسب بل العامة والخاصة كلهم إلا من شاء الله.

يا إلهي ! إنهم تركوا الوعود القطعية والطريق النير الواضح والتهوا في تخطيطهم الظنية والوهمية.

فإن مقصد حركتنا الخاص هو أن نخرج الناس من جهدهم الظني والوهمي إلى سبيل الوعود اليقينية القطعية فهذه هي طريقة الأنبياء عليهم السلام وهم دعوا أممهم إلى نفس الدعوة بأن يجدوا ويجتهدوا معتمدين على وعود الله تعالى في إكمال شرائطها طول حياتهم ليكونوا مستحقين لها، فكما كان اعتمادك في وعود الله مثلها تكون معاملة الله معك وفي الحديث القدسي قال تعالى: ((أنا عند ظن عبدي بي)).


(118) قال الشيخ رحمه الله: الطريقة الصحيحة للعمل في هذا الطريق هي أنه إذا أراد الشخص نفسه أن يخرج في الدعوة أو أراد أن يخرج جماعة في سبيل الدعوة إلى الله وأراد أن يطمن شخصاً يحمل شكوكاً وشبهات فأولاً يتخيل بأنه ليس بيده شيء ولا حول له ولا قوة، لا وسائل له ولا أسباب ويتيقن بأن الله حاضر وناطره وهو القادر الصمد فيدعو الله بإلحاح تام ويقول: يا ربي كم من مرات فعلت أفعالاً عظاماً وذلك بقدرتك المحضة بدون أي سبب، يا إلهي إنك بقدرتك المحضة جعلت الطريق لبني إسرائيل في البحر يبساً وبرحمتك وقدرتك جعلت النار برداً وسلاماً على سيدنا إبراهيم عليه السلام، يا الله إنك أعملت مخلوقك الحقير في أعمال عظيمة فبالأبابيل هزمت جيش أبرهة الذين كانوا أولوا الأفيال فحميت بيتك بها فإنك نورت الدين في عالم الدنيا برعاة الإبل الأميين العرب ومزقت بهم مملكة قيصر وكسرى.

يا الله فبتلك السنة سنتك القديمة نفسها أعمل عبدك هذا العاجز الكاهل الذي لا حول لي ولا قوة إلا بك، فالعمل الذي ما هو أنا ناويه فاهدني طريقته التي هي الصحيحة عندك ويسر لي أسباب ما يلزم لذلك بقدرتك المحضة، فبعد هذا الدعاء يشرع في العمل فيأخذ بالأسباب التي تتيسر له بعده فيتوكل على قدرة الله وتصرفه التكلان الكامل ويجتهد بالجهد الكامل أيضاً ولا يزال يطلب النصرة وإنجاز الوعد من الله باكياً.

بل يؤمن بأن نصرة الله هي الأصل وأن جهده هو يعتبره شرطاً وستراً له (1).

(119) قال الشيخ رحمه الله: أن يتوجه ويجتهد الشخص في إخراج غيره وتعلمه هذا العمل أكثر من أن يخرج ويعمل في هذا العمل لأن الشيطان إذا تيقن من أن هذا الشخص قد قام لهذا العمل وأنه لن يتوقف عنه مهما حاول فحينئذ تكون محاولته الثانية بأنه يتركه في أن يستمر هو في عمله مطمئناً فأما الآخرين فلا يحاول في إخراجهم فيرضى الشيطان لهذا الشخص بأن ينشغل في هذا العمل منهمكاً فيه بجميع حواسه بحيث لا يفيق منه بأن يدعو الآخرين ويشغلهم في هذا العمل.

فلذا لا نستطيع أن نهزم الشيطان إلا بإقامة الآخرين وإشغالهم في هذا العمل وتعليمهم لهذا العمل، وأن نتوجه إلى هذا أكثر ما يمكن محتسبين إلى أجره وثوابه لما وعدنا في القرآن والحديث على الدعوة إلى الخير والدلالة على الخير (1)وأن نعلم أن هذه الطريقة أعلى سبب لرقينا وتقربنا فلنجتهد لهذا.

(120) قال الشيخ رحمه الله: إن حالة دين الإنسان ليس فيه قرارٌ، إما أن يكون الإنسان لا يزال راقياً في الدين وإما أن يكون في انحطاط.

فخذوا مثالاً لذلك فإن المزرعة إذا زودت بالماء الحلو والجو المناسب فلا تزال تخضر وتنمو وترقى في نضارتها وبهجتها، وأما إذا اختلف جوها أو لم تسقى بماء فإذاً لم تقف نضارتها وخضارتها ونموها في مكانها عند ذلك بل تبدأ في انحطاط، فحالة دين الإنسان نفس هذه الحالة تماماً.

(121) قال الشيخ: فكروا وخططوا دائماً في جلب الناس إلى الدين وإشغالهم فيه كما أن أهل الدنيا يخططون لمصالحهم الدنيوية واختاروا لكل واحد طريقة مناسبة حسب حالة فاجتهدوا فيها،) وأتوا البيوت من أبوابها ((1).

(122) قال الشيخ رحمه الله: إن طبع الإنسان يميل إلى اليأس أكثر لأنه إذا يئس الإنسان من عمل فيظن نفسه أنه ليس بمسئول عن العمل فإذا ليس عليه أن يعمل شيء، فاعلموا جيداً أن هذا كيدٌ عظيم من كيد النفس والشيطان.

(123) قال الشيخ رحمه الله: اليأس بالنظر إلى قلة الأسباب يدل على أنك تعتمد على الأسباب وأن إيمانك على وعود الله تعالى وقدرته الغيبية ضعيف جداً.

قوموا متوكلين على الله عازمين، فالله يهيأ الأسباب، وأما الإنسان بنفسه فلا يستطيع أن يعمل شيئاً، أما العزم والاستطاعة ثم الجهد شرطٌ (2).

(124) الناس الذين يقلدون الأوروبيين المسيحيين في طريقة حياتهم الشخصية أو الاجتماعية ويحسبون أن هذه الأمور هي الطريقة الصحيحة فأسفاً وحزناً على هؤلاء الناس.

قال الشيخ رحمه الله: بالله فكروا أن القوم الذين انطفى سراجهم السماوي (أي علوم سيدنا عيسى عليه السلام) أمام العلوم المحمدية (القرآن والسنة).

بل نُسِخَ بقرار من الله عز وجل ومنع الله عز وجل صراحة بأن نستفيد من ذلك العلم مباشرة.

فاتباع المسلم السني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أهواء وأماني الأوروبيين المسيحيين وحسبانه بأنها هي الطريقة الصحيحة، كم يكون موجباً لغضب الله سبحانه وتعالى.

وكذلك لا يقبل العقل هذا مع أن الوحي المحمدي محفوظ (1)

فكيف يقلدون المسيحيين. أليس هذا تنقيص للشريعة المحمدية؟

(125) قال الشيخ رحمه الله: العمل الديني الذي نحن ندعوا إليه هو في الظاهر عمل عادي ولكنه في الحقيقة حساس جداً فليس المقصود هنا أنه عمل نعمله ونجعل الناس يعملونه فحسب لا بل بعد أن نقوم بسعينا نتيقن بأننا عاجزون ونولد في أنفسنا الاعتماد على قدرة الله ونصرته لأن من سنة الله تعالى أننا إذا اجتهدنا على قدر استطاعة أنفسنا وفيزدنا الله تعالى في سعينا وتحركنا نصرته وفي قوله تعالى:) ويزدكم قوة إلى قوة (الآية، إشارة إلى هذا المعنى.

أما ترك العمل ظانا منه انه لا يفلح لشيء "فجبرية "(1) واما الاعتماد على قوت نفسه المحضة " فقدرية " (2) فكلاهما ضالتان فالإسلام الصحيح بين هذين الاثنين. يعني أن القوة والصلاحية البسيطة التي انعم الله علينا بها والتي نجتهد بها نستغل استعمالها بالكامل بدون أي تقصير, ولكن في حصول النتائج لا بد أن نرى أنفسنا عاجزا كليا فلا نعتمد فيها إلا على نصرة الله تعالى فقط, ونؤمن بأنه هو القادر الصمد.

قال الشيخ: فبا الأسوة النبوية يمكن أن يعلم أن اكثر من هذا مفصلا فدعوتنا للمسلمين إنما هي هذه.

(126) قال الشيخ رحمه الله: أما الآن فرغبتي في أهل موات أن يركز في أحياء وترويج الفرائض (يعني طرق تقسيم الميراث شرعا) فيهم, فالجماعات التي تذهب إليهم فمن الآن عليهم أن يحفظوا (1) جيدا ما لهم من الأجر وما عليهم من الوعيد في باب الفرائض.

(127) قال الشيخ في نفس الموضوع: ليس الخلود في النار التقصير في العمل, إنما الخلود في النار لعدم الإيمان و لاجل التكذيب (2)

(128) قال الشيخ رحمه الله: فليكن الجزء الأخير لكل عمل نعمله هو الاعتراف بأنني مقصر فيه ويخشى رد عمله.

اعني نحاول أن نؤدي كل عمل صالح بأحسن وجه, ثم عند اختتامه ليكن إحساسنا بأننا لم نؤده كما كان حقه سبحانه وتعالى فلذا لا بد أن تكون قلوبنا خائفة خشية أن يكون العمل ناقصا وغير واف, فعسى أن لا يرد عملنا يوم القيامة فيضرب به على وجوهنا, فبنفس هذا الإحساس ونفس هذه الخشية يبكي أمام الله تعالى ويستغفر منه مرارا.

(129) قال الشيخ رحمه الله: أن الأصول في العقائد أن يكون الاعتماد واثقا وقويا ويحاول أن يدفع الوسواس أيضاً مع هذا عليه أن يخشى هل أن إتقانه حاصل كما حقه أم لا؟

فقال: أن قول ابن أبى مليكة في الصحيح للإمام البخاري:لقيت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخشى على نفسه النفاق. فهي هذه حقيقته.

فقال: أن ضرورة الاعتماد والإيمان بان يقبل بقلبه قول الله عز وجل وقول الرسول صلى الله عليه وسلم بهيبة وتوقير وإعزازا أيضا فبهذه الصورة يكون الإقبال على العمل ويكون العمل ذي روح أيضا.

(130) كان الشيخ في سيره مدرس مدرسة وشخصية معروفة فقال الشيخ رحمه الله: أني قلت له أن السبب الهام في إتاحة منزلتكم في أنظار الناس هو أن العلاقة التي هي سبب قربة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لم تكن توقير تلك العلاقة في قلوبكم وضغوط المادة الدنيوية كدتم تقبلوها اكثر, انظروا أن علاقتي فقط لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإنني دعوتكم فلم تجيبوني ولكن رسالة واحدة من فلان جعلتكم تاتونه فإنما الذي كان فيه زيادة مني هو انه ذو ثروة. فمنه وبواسطة تتحصلون على التبرعات فان أساس مرضنا هو أن لا نقبل ولا نطمع في من قال لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو بلغ عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وقال الشيخ: في نفس الموضوع: أنني ارغب أن انشأ في أهل ميوات أن يحكموا في نزاعاتهم أهل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تطبيقاً للشريعة وأن تكون غريزة أنفسهم أن ما يحصل لنا من حكم أهل الله ورسوله وإن كان نصف حقنا فهو رحمة محضة وبركة.

وما يحصل لنا بحكم خلاف الشرع وإن كان كل حقنا فهو وبال محض ولا بركة فيه ثم قال: إن المراد من قول الله تعالى:) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً (الآية. هو هذا ولكن لم يتولد هذا في أول الأمر، أولاً نولد فيهم الاشتياق إلى اتباع أحكام الشرع بحيث يغلب هذا الشوق على طبعهم ثم بالحكمة يولد فيهم تدريجياً أن أصل الامتثال لأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هو أن ما يأمركم أهل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فأطيعوهم معظمين لتلك الأوامر وموقرين لها وأن يمتثلوا أوامرهم بشوق ورغبة فهذه الطريقة الصحيحة لتصحيح جهة الحياة.

(131) قال الشيخ رحمه الله: إن الدين الحقيقي عندي هو أن يعلم أن عالم الأسباب هذا سترٌ لأوامر الله التكويني وأن يتيقن أن الفاعل ما يفعل في هذا الستر هو غير هذا وفعل الله وأمره هو السبب الحقيقي.

الحاصل أن يعلم أن أمر الله الغايب هو السبب الحقيقي بدلاً من السبب الظاهري.

فبدل ما يجتهد في الأسباب الظاهرية فعليه أن يجتهد في إرضاء الله تعالى أكثر ليصلح له شأنه كله، فقال: فكروا في قول الله تعالى:) من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب (

(132) قال الشيخ رحمه الله: في ذكر بعض المتدنيين من منطقة بنجاب أنه عندما قدم هنا أول مرة فكنت حينئذ أدرس (كتاب)ابن ماجه فسلم عليّ فبسبب انشغالي في تدريس الحديث الشريف لم أرد عليه (1)، ثم جلس هو مكانه فبعد قليل قال (في أثناء الدرس) إنني أتيت من مكان الفلاني فلم أرد عليه على هذا أيضاً، ثم بعد قليل قام ليمشي فحينئذ قلت له: أنت لماذا قدمت؟ فقال: إنني جئت للزيارة فقلت: أما الزيارة التي وردت رغبتها وفضيلتها في الحديث فهي ليس أن يرى الرجل صورة الرجل فمثلها كأنه رأى صورته أما الزيارة الشرعية فهي أن يسأل عنه ويسمع منه، فأما أنت لا قلت قولك ولا سمعت مني فقال: ءأقيم إذاً؟ قلت: أجل، فإنه أقام، فلما سمع كلامي وفهم مني فنظر العمل هنا فطلب أخيه فلان الأكبر.

فلو كلمته فوراً كلاماً مختصراً في نفس الوقت فما كان يحصل الذي قد حصل بعد بل كان يزور ويذهب.

قال الشيخ رحمه الله: مع تغير الزمان تغبرت معاني الاصطلاحات أيضاً وخرجت منها الروح فالأجر في الدين في زيارة المسلم للمسلم لأجل مذاكرة الدين فيما بينهما والزيارة التي لم يكن فيه تذكير ولا تفكير فتلك الزيارة بدون روح.

(133) قال الشيخ رحمه الله: فترتيب جميع العاملين في عمل الدعوة هذا فهماً جيداً، أن الخروج في جماعة التبليغ ليس القصد منه تبليغ الغير فقط بل المقصود بهذا إصلاح أنفسنا وتعليم وتربية أنفسنا أيضاً، فلذا لا بد أن يهتم اهتمام أكثر في الانشغال في الذكر والتعليم لأن الخروج بدون الاهتمام في علم الدين وبدون ذكر الله ليس بشيء.

ثم هذا أيضاً من الضروري أن يكون الانشغال في العلم والذكر بالعلاقة مع أكابره في ذلك الطريق حسب تعليماتهم وتحت إشرافهم.

فإن علم الأنبياء وذكرهم كان تحت إشراف تعليمات الله تعالى، والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يأخذون العلم والذكر من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشرف عليهم إشرافاً تاماً فهذا التأسي في كل زمان كانوا يأخذون العلم والذكر من أكابرهم وتحت إشرافهم وأكملوا بإرشاداتهم فلذا نحن كذلك محتاجون لإشراف كبرائنا علينا وإلا فيخشى منا أن نورط في مصياد الشيطان بالتأكيد.

(135) قال الشيخ رحمه الله: إن حركتنا هذه للتبليغ هي حركة نشر التعليم الديني والتربية الدينية وتعميم الحياة الدينية، فسر فلاحها إنما هو مضمر في التركيز في أصولها والتمشي بموجبها.

ومن أهم أصولها أن الحق الذي جعل الله للمسلمين حسب مراتبهم عليه فيدعوهم مؤدياً لكل ذي حق حقه حسب مرتبته فالمسلمون ثلاث مراتب:

(1) الضعفاء (الفقراء المساكين) (2) أصحاب الوقار

(3) علماء الدين.

فالحديث ((من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا ولم يبجل علماءنا فليس منا)) يشمل تلك المراتب الثلاثة المذكورة, فأما الضعفاء الذين في القوم فمن حقهم أن يرحموا ويخدموا, وأما أهل الجاه والوقار فحقهم أن يوقروا, وأما العلماء فحقهم أن يعظموا, فمؤدياً لهذه الحقوق يُدعوا إِلى هذه الدعوة., وأتوا البيوت من أبوابها.

(136) قدم أحد تجار دلهي عايداً من السند بعدما أكمل وقت خروجه مع إحدى جماعات التبليغ فبعد ما سمع منه الشيخ كيف قضوا أيامهم هناك؟ قال الشيخ رحمه الله: يا أيها الأحباب: إن عملنا هذا فإنه عمل تسخيري من وجه (أي من انشغل فيه بحيث جعله هواية له فالله سبحانه وتعالى ييسر له أعماله) وفي الحديث: من كان لله كان الله له.

إن انشغلتم في عمل فالسموات والأرض وهواء الجو تؤدي عنكم أعمالكم (1)، إنكم خرجتم من بيوتكم وأعمالكم لأجل عمل الله، فإنكم سترون بأعينكم، كم تكون البركة في أعمالكم.

(137) قال الشيخ رحمه الله: صحيح أن اصل طريقة عملنا أولاً تذهب الجماعات إلى الأماكن القريبة وفي نفس البيئة ثم تقدم إلى الأمام مثلاً تذهب الجماعات من هنا (نظام الدين) أولاً إلى كرنال وباني بت وغيرها ثم من هناك عاملة في طريقها بمضافات بنجاب وإمارة بهاولبور حتى تصل إلى السند.

ولكن أحياناً مبدئياً يرسل بعض الأحباب إلى البعيد ليتولد فيهم العزم والثبات.

فإرسال الجماعات حالياً إلى بومبائي وغيرها لنفس هذا الغرض ففي هذه الأسفار الطويلة تتولد فيهم العزيمة ومحبة العمل.

(138) قال الشيخ رحمه الله: الرسوخ في عملنا هذا أهم من التوسع فيه ولكن طريقة هذا العمل ومنهجه هو أنه مع إِزدياد الرسوخ فيه يزداد التوسع فيه لأنه لا يمكن الرسوخ فيه إلا بالتجول من مدينة إلى مدينة ومن بلاد إلى بلاد آخر.

(139) في يوم أتى أحد محبي الشيخ إليه (وكان له علاقة بالتبليغ ومع هذا كان انشغاله الخاص في التحرير و التصنيف)

فقال له الشيخ: إِنني من قبل لم أكن أحب أن يكتب ويقرء عن عمل التبليغ هذا كثيراً ويُدعى إِليه بالتحرير, بل كنت أمنع عن هذا ولكن الآن أنا أقول: إِن يكتب عنه فأنت كذلك أكتب عنه كثير جداً وخذ في هذا رأي فلان وفلان القائمين في هذا العمل لبعد أن تبلغهم مقولتي هذه.

فطلبوا واستشيروا في هذا من سماهم الشيخ فأشاروا بأن ما نحن عليه من الطريقة فعندنا هي الأفضل فلما أخبر الشيخ برأيهم فقال: إِنما نحن من قبل كنا في (حالة غير معروفة),وكنا لا نجد أحد يسمعنا ولا كان أحد يفهم ما كنا نقوله ففي تلك الحالة كان من الضروري أن نتجول في الناس ونولد فيهم الطلب ونفهم بتطبيقه عملياً.

ففي تلك الحالة لو دعونا الناس تحريراً فربما يفهمون الناس خلاف ما نقصده فكل حسب فهمه يكن له رأي, فإِذا فهم أحد شيئا فاختاره فحسب فهمه قام بأدائه عملياً مع انه أصاب في بعض وأخطأ في بعض, ثم إذا ظهرت النتائج خطأ فقالوا إن طرقتنا نحن هي الناقصة فلذا ما كنا نستحسن أن تصل دعوتنا عند الناس تحريراً, وأما الآن فبفضل الله وكرمه وبنصرته قد تغيرت الأحوال.

فكثيرا من الجماعات خرجت في أطراف البلاد وحققت عملنا, أما الآن الناس بأنفسهم يقدمون إلينا طالبين له, فقد يسَّر الله لنا قدراً كافياً من الناس يمكن إرسال عدة جماعات في شتى المدن إذا ألزمنا الطلب.

فلذا جمودنا على نفس الطريقة السابقة (في حالتنا الغير المعروفة) ليس بصحيح, فلذا أنا أقول لك أنه لا بد من أداء الدعوة تحريراً.

(140) قال الشيخ رحمه الله:اتركوا أن تقولوا أخرجوا لثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام.

بل قولوا إنما السبيل هو هذا الحصاد على قدر العمل فلا حد ولا نهاية له ففضل عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل من عمل بقية الأنبياء ففضل عمل ليلة واحدة ويوم واحد لسيدنا

أبي بكر رضي الله عنه لم يدركه سيدنا عمر رضي الله عنه (1) فما أفضل غايته, فهذا نجم ذهب وفضة فقدر ما تحفر فيه تأخذ منه.

(141) في سيرة المسلمين الذين يكونون أجهزة لأعداء المسلمين لمصالحهم المادية, قال الشيخ رحمه الله: إذا ولدتم فيهم حرص تعبد الله فعلياً بدلاً من أن يكونوا عباد لأغراضهم وعباد شهواتهم فكيف يكونوا أجهزة لهم فإذا اجتهد في تغير أعمال حياتهم بدون تغير تجاه رغباتهم وقلوبهم يكون خطاءً.

فالطريقة الصحيحة لهم أن تغّيروا تجاه قلوبهم إلى الله تعالى فمن ثم تكون حياتهم كلها ممتثلة لأوامر الله تعالى, فهو هذا المقصود من قول لا إله إلا الله, فأساس حركتنا هو هذا.

(142) قال الشيخ رحمه الله: وهو يبين عن الأصول الأساسية لهذا العمل أولاً الإيمان اليقين الصادق على ما قال الله ورسول صلى الله عليه وسلم والاجتهاد في أن يقدر ويعظم الدين لأنه بدون التقدير والتعظيم لا يصح أن تعرض أحكام الدين الفرعية إلى الناس بل بهذه الطريقة يصبحوا يستهترونها، فقص قصته لأحد طلبة العلم بأن أستاذه وهو شيخ كبير أدخل في قلبه اليقين بأن العلم أغلى شيء ولا يساويه أي شيء، وأن مسألة واحدة من مسائله أغلى وأثمن من آلاف بل مآت الأولوف من الربيات ففي يوم من الأيام احتاج الطالب أن يصلح نعله فعندما ذهب عند الخصاف فتكلما عن أجرة الإصلاح فقال الطالب، أنا أعلمك باباً من العلم بدلاً عن عملك فظن الخصاف أولاً أن الطالب يمزح ثم لما علم أنه يقول من جد فطرده الخصاف من دكانه فأتي الطالب عند أستاذه فقال له: إنك قلت لي إن باباً واحداً من العلم يساوي أكثر من الآلاف ومئات الألوف، وأما الخصاف لم يرضى أن يصلح نعلي بدلاً عن العلم. فأعطى أستاذه الشيخ (المعروف في بلده وكان مرجع الخلائق) لذلك الطالب ألماسه فقال له: اذهب إلى سوق الخضرة فتعرف على قيمة هذا فأولاً ذهب إلى بائعه النبق فقال: أتشترين هذا الحجر وبكم تأخذينه؟ قالت ما ينفعني هذا، ووزنه ما يساوي ولا أوقية حتى أجعله أوقية وزنٍ أوزن به. حسناً إن كنت معطيه فأعطيك به خمسة حبات من النبق فإبني يلعب به، ثم ذهب به إلى أخرى بائعة النبق وكلمها نفس الكلام فأجابت نفس الكلام بأنه لا ينفعني في شيء.

فرجع إلى أستاذه الشيخ فأخبره بالخبر بأنه لا ينفع فواحدة من بايعات النبق استعدت بأن تأخذه بخمسة حبات من النبق بالقوة فقاله أستاذ الشيخ: أما الآن فاذهب به إلى سوق الجواهر فهناك أسأل الجوهرجي عن قيمته ولكن لا تعطيه لأحد.

فذهب عند أحد الجوهرجية فأراه هذه الألماسة فلما رآها ظنه سارق فلما علم أنه مرسل من طرف الشيخ فلان فقال له:

إن هذه الألماسة لا نستطيع أن نشتريها إنما يستطيع أن يشتريها ملك من الملك فرجع الطالب وأخبر أستاذه بما قاله الجوهرجي.

فقال له الأستاذ: كما أن صاحبة النبق لا تعرف قيمة هذه الألماسة فلم تكن راضية بأن تشتريها ولا بهلله واحدة كذلك الخصاف لا يعرف أن باباً من العلم كم قيمته فالخطاء منك إنك ظننت الغير المقدر له مقدراً له.

وفي نفس الموضوع حكى لنا الشيخ قصة أخرى لملك مقدرٌ يعرف قدر الدين. فقال: إن ملكاً مقدراً للدين سلم ابنه لأحد العلماء بأن يدرسه علم الدين، وكان ذلك الولد بليداً وليس زكياً، فأخبر ذلك العالم الملك مراراً بأن ولدك هذا لا يفلح في التعلم ولكن أمر الملك يبلغه في كل مرة بأنك لا تفكر في هذا إذا كان بليد وبسبب قلة فهمه لا يستطيع أن يدرك الدرس تماماً فمرره تمريراً على الدروس.

ففعلاً صار الدرس تمريراً، فلما تم هذا التمرير الدرسي ففرح الملك وعقد مجلساً لهذه المناسبة فقال لابنه أن يبين أي مسألة دينية فقال الولد: لا أذكر شيئاً فقال: أي مسألة تعرفها أنت فبينها في الناس، فبين الولد مسألة في الحيض فقال الملك بحضرت المجلس: لو أصرف سلطنتي هذه كلها مقابل تعلمك لهذه المسألة الواحدة فقط فلهو أنفع وأربح لي منها.

فقال الشيخ: أيها الأخوة فلأجل أن يعملوا الناس على ما يقتضى الدين أولاً ولدوا فيهم الإيمان وفكر الآخرة وقدر الدين إن ما عند الله كثير وأنه غيور كذلك، فإنه لا يعطي لغير المقدرين فاحصلوا الدين من مشايخكم بتقدير له، فمن مقتضى تقديرهم بأن تحسبوهم بأنهم محسنون إليكم فعظموهم وتوقروهم، فهذا هو المفهوم للحديث، من لم يشكر الناس لم يشكر الله.

(143) في نفس الموضوع قال: من أصول عملنا عدم الحرية وعدم الأنانية (1) بل أتبعوا أنفسكم تحت مشورة الكبار الذين أظهر عليهم المرحومون الكبار اعتمادهم الذين لهم علاقة خاصة مع الله وهي معلومة ومسلمة.

وأن معيار الصحابة العام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو (2)هذا أنهم كانوا يعتمدون على أكابر الصحابة الذين كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتمد عليهم ثم بعد ذلك كان الأكثر اعتماداً الذين اعتمد عليهم أبو يكر وعمر رضي الله عنهما.

فلا بد للاعتماد في الدين أن يكون الانتخاب بعد تيقظ جيد وإلا فلا يؤمن من ضلال كبير.

(144) قال الشيخ: إن السبب الخاص في ضلال الملك أكبر (3)هو أنه أولاً أعتمد على العلماء اعتماداً كلياً حتى أنه سلم عنان ملكه في أيدي مجلس العلماء ولم تكن لديه صلاحية معرفة في اختيار العلماء فحصلت النتيجة بأنه تجمع في المجلس مجموعة كبيرة من طلاب الدنيا ومنافسيها.

فلما علم أكبر بتجربته عن فساد نياتهم ومقاصد أغراضهم وطلب دنياهم فتنفر من العلماء تنفراً شديداً حتى وصل الأمر إلى أنه تجنب من علماء الإسلام اجتناباً كلياً فتسلط عليه علماء المذاهب الباطلة ثم اخترع الدين الإلهي) (1)بدلاً من الإسلام (2).

(145) قال الشيخ: إن العلماء والأطباء قد قرروا قراراً نهائياً بأن لا أتكلم نهائياً حتى السلام والمصافحة أتركها بسبب مرضي وضعفي.

وإنني لا أخالف هذا القرار المتفق عليه إلا لإحياء هذه الفريضة الدينية (الإصلاح والتبليغ)، لأنني أعلم لو أنني تركتها فإذاً لن تحيا هذه الفريضة في هذا الأوان وفهمت هذا من الآية التي في سورة التوبة) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه (فعلم بهذا الآية أن العمل الديني إذا كان موقوفاً على بعض الناس فلا يجوز لهم أن يرغبوا بأنفسهم (بل يفادوا بأنفسهم إذا استحوج الأمر).

(146) قال الشيخ: إن الناس عامة يتبعون الشخصيات البارزة واما ضعفاء الناس المساكين الذين آتوا بأنفسهم فلا يتوجهون إليهم فهذه مادية (يعني هذه الصفة من الأغراض المادية) فافهموا جيدا. أن الشخص الذي آتاكم بنفسه فهو عطية الله لكم فهو مرسل من الله إليكم, واما الشخص الذي اجتهدتم وراءه واتيتم به فهو من مكاسبكم, فأما الذي يكون عطاء خالصا من الله تعالى فمن المفروض. أن يكون هو اكثر قدرا من كسب اليد فهؤلاء الميواتيون المساكين القادمون بأنفسهم وهم راغبون فقدروهم.

فكروا بالله أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا بهذا الدعاء: اللهم احيني مسكينا وامتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين.

(147) قال الشيخ: أن الشيخ الكنكوهي رحمه الله كان قطب الإرشاد ومجدد لهذا الزمان, ولكن ليس من الضروري أن يظهر كامل العمل التجديدي بيده بل إذا ظهر برجال فبالواسطة يعتبر العمل عمله (1) كما أن عمل الخلفاء الراشدين وبالذات عمل الشيخين أبي بكر وعمر في الواقع إنما هو عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحقيقة.

(148)قال الشيخ: إن الذين بواسطتهم وصلت إلينا نعمة الدين العظمى فعدم شكرهم وعدم الاعتراف لهم بالفضل وعدم محبتهم فهذا حرمان, من لا يشكر الناس لم يشكر الله, فلو جعلناهم مكان الأصل فهو شرك وسبب لرد العمل وذلك تفريط وإفراط. والصراط المستقيم بين هذين.

(149) قال الشيخ: فلا بد أن نؤمن بصفات الله وعاداته التي ذكرت في القرآن كما هي تماما لانه لا أحد يستطيع أن يحصى ثناء الله في بيانه حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: اللهم لا نحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

(150) حضر الشيخ حافظ محمد يعقوب ابن الشيخ رشيد احمد الكنكوهي نور الله مرقده وبرفقته أحد نساء أهل البيت الشيخ وغالب ظني أنها ابنة الشيخ الكنكوهي لزيارة وعيادة الشيخ محمد إلياس رحمه الله, فطلبها الشيخ أيضاً مع أخيها في حجرته من وراء حجاب, وإنني سجلت بعض ما قال لهما الشيخ في ذلك:

قال الشيخ رحمه الله: من لم يشكر الناس لم يشكر الله, إنني تحصلت على نعمة الدين من بيتكم وإنني عبدٌ لأهل بيتكم, فإذا يأتي عند العبد شيء حسن فعلى العبد أن يقدمه هدية لسيده, فإن لدي تحفة وراثة النبوة التي تحصلت عليها من بيتكم لا توجد عندي غير هذه ولا أحسن من هذه حتى أقدمها لكم.

فإن الدين هو: أن يتفقد أوامر الله لكل فرصة فيمتثل بها قاصداً لها متجنباً فيها رغباته النفسية، فلانشغال في الأعمال بدون تفقد أوامر الله وبدون قصدها إنما هي الدنيا فبهذه الطريقة يتحصل له في عدة أيام ما لا يحصل له بغيرها في 25 عاماً.

فإنني أقول للنساء أن يكن معينات لأزواجهن في أعمالهم الدينية بأن يهيئن لهم الفرص لينشغلوا في عمل الدين باطمئنان ويخففن عنهم حمل البيت لكي ينشغلوا في عمل الدين مرتاحين.

فإن لم يفعلن ما أقول فإذا يصرن حباله الشيطان، فحقيقة الدين أن يتبع هواه أوامر الله تعالى فليس الدين أن يعلم مسائل الدين فحسب.

فإن علماء اليهود كانوا يعلمون عن دينهم كثيراً وعن مسائل شريعتهم كذلك، ولكنهم لم يتبعوا هواهم للأوامر الإلهية، فلذا أصبحوا المغضوب عليهم مردودين.

ففي خلال هذا الكلام قيل للشيخ أن يدعو له في أمر خاص فقال: من يتق الله أعني يتبع هواه أوامر الله فإن الله تعالى يحل له جميع مشاكله من حيث لا يحتسب وينصره الله تعالى بطرق لم تكن تخطر في باله.) من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب (.

فالخطة اليقينية والفعلية للحصول على النصرة الخاصة من الله تعالى هي أن ينصر دينه حيث قال الله تعالى:) إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (.

إن تنصر الله فالمهلكات يصرن لكم أسباب حياة وراحة، فإن إبراهيم عليه السلام قد نصر دين الله بنفسه وروحه فجعل الله له النار (المهلكة) برداً وسلاماً، وهكذا موسى عليه السلام وقومه فإن البحر الذي من خاصيته الغرق بلغهم الله إلى الساحل بالسلامة.

(151) اليوم بتاريخ 2 جماد الأول سنة 1362هـ يوم الأربعاء ليلاً حضرت جماعة طلبة دار العلوم ديوبند قريب العشاء.

فكان الشيخ معه إسهالاً شديداً الذي سبب له ضعفاً شديداً حتى لم يتمكن له أن يتكلم، فطلبني الشيخ بعد صلاة الفجر فقال: الصق أذنك بشفتي واسمع، أن هؤلاء الطلبة أمانة الله وعطيته فتقدير هذه النعمة وشكرها أن يشغل كامل وقتهم حسب منزلتهم وباهتمام كامل وأن لا يضيع من وقتهم شيئاً قط، فإن هؤلاء أتوا لوقت قليل، فأولاً بلغهم عني كلمات ثلاث:

(1) أن توقير الأساتذة وأدبهم واحترامهم واجبٌ عليكم وجوباً خاصاً، وعليكم أن تعظموهم تعظم أئمة الدين لأنهم هم سبب لتحصلكم العلم النبوي الشريف، ومن علم أحداً كلمة دين فيكون مولاه (1) فليفهم بهذا ما حق الأساتذة الذين شغلهم الدائم تعليم الدين، فإذا وقع بين الأساتذة نزاع فلا بد من الاحترام والأدب والتعظيم لكليهما سوياً وإن كانت المحبة مع أحدهما أكثر من الآخر. ولكن لا يفرق في تعظيمهما قط. ولا يكره أحد منهما قط فقد علمنا الله في القرآن الكريم عن حق المؤمن عامة بهذا الدعاء:) ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا(.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)).

ويؤخذ من بعض الروايات فإن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا لوفاته عندما كثرت الأمة وانتشرت كثيراً وخشى أن لا يأتي في قلب أحد غلاً له لجهله فيهلك لأجله.

فأجر هذه الأشياء (أعني أجر مراعاة حقوق الكبار والصغار الذي يسمى باسم إصلاح ذات البين) ليس بأقل من أجر الأركان بلا (2) أجره أكثر.

فمعنى الأركان هو أن الحياة التي يطلبها الله منا فهي يمكن أن يتحصل عليها بتأدية الأركان وأما علاقة إصلاح ذات البين بحقوق العباد وأما الرب سبحانه في حقوقه على عباده شفيق كريم رؤوف رحيم فإننا في أمل كبير من عفوه، وأما العباد فهم مثلك فلذا معاملة حقوقهم مهمة للغاية ثم في شعبة علم الدين فمعاملة حقوق الأساتذة أهم.

فبلغ هؤلاء الطلبة عني أن يهتموا في إصلاح هذه الجهة في حياتهم باهتمام خاص.

(2) الأمر الثاني هو أن لا يزالوا يقضوا حياتهم مهتمين ومحملين أنفسهم طول حياتهم أنهم ليعلمون بما تعلَّموه والذي سوف يتعلمونه وهذا أول حق لازم لتعلم الدين.

فالدين ليس فن أو فلسفة إنما هو نظام لقضاء الحياة الذي أتى به الأنبياء عليهم السلام فقد تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع (أعني العلم الذي لا يجعلنا أن نعمل بموجبه) وغير ذلك من المواعيد الشديدة الواردة في القرآن والحديث للذين يتعلمون ولا يعلمون بمقتضاه وهي معلومة لديكم.

فليعلم أن عدم العمل بمقتضى الدين بالنسبة للعالم ليس معناه أن لا يكون غير مصلي أو غير صائم غير شارب للخمر أو غير زاني لأن هذه المعاصي لعامة المسلمين، أما ذنب العالم أنه لا يعمل بمقتضى العلم ولا يؤدي حق العلم.

وقد قال الله تعالى في كتابه المجيد عن علماء بني إسرائيل،)فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية (.

(3) والأمر الثالث يقال للطلبة: إن وقتهم هذا غالي جداً وهم أتوا لوقت قليل فلذا لا يضيعوا من وقتهم ولا ثانية بل ينشغلوا في أعمال التعليم والمذاكرة حسب الأصول هنا ويتكلمون مع القدماء ويعاشرونهم وبمرافقتهم يذهبون إلى مدارس (دهلي) العربية ويعملون هناك.

(152) أن جماعة الطلبة التي قدمت البارحة من جامعة ديوبند أولاً أبلغهم بالكلمات السابقة، ثم بعد ذلك عندما جلس الضيوف حول الشيخ لشرب الشاي (1) حسب العادة فأراد الشيخ أن يخاطب الطلبة بنفسه فقال: بصوت منخفض جداً: أنتم لماذا أتيتم هنا؟ وتركتم أساتذة ديوبند الشفقاء وغرف إقامتكم بالعمائر الفخمة وبيئتكم المألوفة جئتم هنا لماذا؟ (ثم أجاب بنفسه).

فقال: لإحياء شوق تفدية الروح في سبيل نشر كلمات الله ولتعليم طريقته، ولنتعلم هذا العمل مؤمنين محتسبين بما وعدنا الله به من الأجر والمثوبة آملين في الله غير آملين في سواه،)وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج (.

ثم قال في نفس الموضوع: كما أن الأمر هام أن نأمل الأجر من الله فقط، وعلى قدره من الأهم أن لا نأمل الأجر من غير الله. بل نتمرن الاستمرار في العمل بصرف النظر كلياً عن غير الله تعالى)إن أجري إلا على الله (.

وقد ورد في الحديث: إن الذين يعملون الصالحات ويتأملون أجره من غير الله يقال لهم يوم القيامة إنك فعلت لفلان فخذ أجرك منه.

(153) قال الشيخ وهو مخاطب لنفس الطلبة: إن عمل إصلاح إقامة الصلاة (1) عمل لطول الحياة ولكن لا تصلح إقامة الصلاة إلا بالاتصاف بما ورد في القرآن الكريم في مختلف الآيات كما قال تعالى:)قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون (وفي سورة البقرة قال:)الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة - إلى قوله - أولئك هم المفلحون (.

فبالنظر في الآيتين علم واضحاً أن الخشوع في الصلاة أيضاً داخل في إقامة الصلاة, فعلم من هذا أن الذين يصلون بدون خشوع فإنهم ليسوا من المقيمين للصلاة. وأشير في آية أخرى عن طريقة توليد الخشوع في الصلاة بأن يُزَوِّد يقين حضوره أمام الله أكثر فأكثر حيث قال:)فإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (.

فقال: إن الكلمة)ملاقوا ربهم (ليست بخاصة بالآخرة بل إن عباد الله في حالة الصلاة يسعدون بملاقاة ربهم وهم تصادق عليهم هذه الآية (1).

(145) وفي نفس الموضوع قال الشيخ: إن الوعد بالفلاح في قوله تعالى:)قد أفلح المؤمنون (و)أولئك هم المفلحون (ليس هو خاص بالآخرة فقط بل هو شامل لفلاح الدنيا أيضاً، فمعنى هذا القول: أن الذين يحملون هذه الصفات فإن نصرتنا الغيبية مسؤولة عن أن نمهد لهم الطريق ونبلغهم إلى الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.

(155) وقال الشيخ في نفس الموضوع: النصرة الغيبية والقوة الغيبية لم تُسلم من قبل، بل تأتي وترفق في وقت خاص (2) فكأن النصرة موجودة في خزائن الله فشرط الإيمان والتوكل هو أن يعتمد على نصرة الله أكثر من قوته الكسبية.

(156) وقال الشيخ في نفس الموضوع: إن الآية)ومما رزقناهم ينفقون (ليس بمخصوص بإنفاق المال بل القوة الظاهرة والباطنة التي رزقها الله عباده مثل سداد الرأي والأيدي والأرجل كلها مما رزقها الله فإنفاق هذه الأشياء في سبيل الله وفي الدعوة إلى الله تشملها هذه الآية.

(157) قال الشيخ لنفس الطلبة: افهموا قدركم وقيمتكم فإن خزائن الأرض كلها لا تساوي قيمتكم، ولن يستطيع أحد أن يدفع ثمنكم سوى الله تعالى إنكم نائبوا الأنبياء الذين قالوا للدنيا كلها: إن أجري إلا على الله، فإن عملكم هو أن تقطعوا الرجاء كلها ولا ترجو ولا تعتمدوا على الأجر إلا على الله واخدموا المؤمنين متواضعين متذللين فبهذه الطريقة تكمل وتزين عبديتكم.

(158) قدم أحد القادة البارزين لأحد الجماعات الدينية المعروفة لعيادة الشيخ وزيارته - فقال له الشيخ أثناء كلامه: نحن لا نبقى لدينا الحسابات اليومية فتسجيل الحسابات اليومية لدى العاملين في عمل الدين أصبحت من الضرورة لأنه لم يبقى الاعتماد والاطمئنان بالدرجة التي لا يحتاج لتسجيل الحسابات، فإذا أنشأ ذلك الاعتماد السابق ثانياً بطرقه بأعمالنا فالوقت الذي يصرف في تسجيل الحسابات فحينئذ يبقى ذلك الوقت لصرفه في الأمور الدينية الخالصة.

(159) أن أحد القادة الكبار للجماعة السياسية والدينية المعروف بالهند (الذي هو من كبار الخطباء بالهند سحرى البيان) أتى لعيادة الشيخ وزيارته، ومنذ قبل يومين قد اشتد على الشيخ مرضه وضعف ضعفاً بحيث لا يكاد يسمع منه كلامه إلا بوضع الأذن فوق شفتيه بسبب ضعفه الشديد.

فعندما أخبر الشيخ عن قدومه طلبني (1) الشيخ فقال: إنه لا بد لي أن أكلمه وطريقته بأن تقرب أذنك إلى شفتي وتنقل له ما أقول فلما تفضل الضيف بالداخل فبدأ الكلام بواسطتي أولاً ثم بعد دقيقتين أو ثلاثة دقائق منحه الله تعالى قوة التكلم نصف ساعة متوالية تقريباً فالإرشادات التي استطعت أن أكتبها من كلام الشيخ في ذلك المجلس فهي كالآتي:

قال الشيخ: إن مشروعية تلاقي المسلم بالمسلم لتوسع الإسلام وإلا ما الفرق بين لقاء المسلمين وبين لقاء غير المسلمين، امكث أنت هنا عندنا عدة أيام فطالع عملنا، فبدون هذا (2) فهم عملنا وإدراك مقصدنا صعب جداً.

فالواقع أن العلاقات المحمدية قد ماتت فلا بد من إحيائها ففي هذا الجهد نفادي بحياتنا.

إنني في البداية كنت مدرساً في مدرسة فاجتمعوا من القادمين عندي من الطلبة جماً غفيراً فكان الكثير منهم أولوا استعداد جيد.

ففكرت أن لا تكون نتيجة جهدي معهم سوى أنهم كما يفعلون الذين يأتون من المدارس الدينية ليصبحوا علماء فبعدها يتعلمون مني كذلك يصبحون علماء ثم ينشغلون في نفس المشاغل التي يمارسونها عامة في هذه الأيام.

أن بعضهم يدرس الطب فيصبح طبيباً وبعضهم يختبر في الجامعة فيتوظف في المدارس الهندية العامة والبعض يصبح مدرساً في مدرسة دينية فلا يحصل أكثر من هذا، فبعد هذا التفكير انخلع قلبي من التدريس ثم أتى الزمان الذي أجازني فيه شيخي فبدأت أرشد الطالبين الذكر وإلى هذا العمل ارتكز بالي أكثر، وبفضل الله وردت على الناس الكيفيات والأحوال بسرعة ورقيت حالات الناس بسرعة تحيرت أنا بنفسي على ذلك. ففكرت فيه ما هذه الحوادث فما تكون نتيجة هذا العمل؟ ما هو إلا يبرزوا بعض أصحاب الأحوال وبعض الذاكرين وأهل الكرامات ثم يشتهرون في الناس فيأتون الناس إليهم لطلب الدعاء منهم ليفوزوا في محاكماتهم، ويأتي أحدهم ليطلب منهم الرقي للأولاد والبعض يطلبوا الدعاء منه لابنه ليرتقي في التجارة وأكثر من هذا أن بواسطة البعض منهم تسري من بعض طالبيه سلسلة الإرشاد والذكر.

وبعد هذا التفكير تحول اتجاهي من هذه الجهة أيضاً فقررت أن المصرف الصحيح للقوات التي أنعمها الله علينا بأن نصرفها في نفس العمل الذي صرف فيها الرسول صلى الله عليه وسلم قواته هو دعوة عباد الله إلى الله، خاصة دعوة الغافلين الذين ليس لهم رغبة إلى الله سبحانه وتعالى وترويج تغذية الروح في نشر أحكام الله تعالى بس إنما هو هذا مقصود حركتنا وهو الذي نقوله للجميع، فإذا عمل هذا العمل بالفعل فقد كانت قد أنشأ أكثر من هذه المدارس بالآلاف والأضعاف.

وأكثر من هذه الخانقاهات بالآلاف الأضعاف بل يصبح كل مسلم مدرسة وخانقاه.

بل توزع النعم التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم بصفة عامة حسب ما يليق بشأنها.

يا حضرة الشيخ ! إن الله قد وهب لك قوة وليس مرادي بها قوة البيان وإلقاء المحاضرات بل إنك كبير حزبك ومطاع فيهم وآلاف الناس يطيعونك فوجههم بأن يرافقوا رجالنا عدة أيام ليفهموا ويتعلموا عملنا ثم يعودوا ويعملوا في أصحابهم فبهذا العمل يصبحون أصحاب عمل عظيم إن شاء الله.

يا حضرة الشيخ ! إن للإيمان يدين: أحدهما: الغلظة والشدة على أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وثانيهما: الشفقة والرحمة على مطيعي ومحبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى مقابلهما العزة والذلة:)أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ()أشداء على الكفار رحماء بينهم (فلا بد لطيران وترقية أصحاب الإيمان في إيمانهم لهاتين اليدين.

فإن هذا الشيخ الذي أتاه لعيادته وله علاقة ودية واعتمادية معه أيضاً فبعد ما سمع من الشيخ قال: إن زمان الشباب والقوة قد صرفت في الأمور الأخرى ففي ذلك الزمان لم يجلبني أحد من المشايخ إلى هذا العمل، فأما الآن فلم تبقى لي قوة العمل جديد فحضرتُك تريدني أن أعمل في عملك (الدعوة) أما أنا الآن فلا أصلح لأي عمل.

فقال الشيخ: إن كنت من قبل قد كنت تظن أنك ذو قوة وطاقة وأنك تستطيع أن تعمل ففي الواقع أنك لم تكن حينئذ تصلح لعمل الله.

فإن كنت الآن استيقنت أنه ليست فيك قوة ولا طاقة وإنك لا تستطيع أن تفعل شيئاً فإنك الآن أصبحت صالحاً للعمل لأن من شروط استحقاق نصرة الله أن يظن الرجل أنه عاجز محض لا يستطيع أن يفعل شيئاً ويظن أن الله سبحانه وتعالى هو الفاعل الحقيقي فبدون هذا لا تأتي النصرة، وفي الحديث ((أنا عند المنكسرة قلوبهم (1))).

وقال الشيخ: إنني شاكراً ومقدراً (للعلماء) الذين يعملون في السياسة أنهم موجهون الدولة الهندية إليهم عني حتى استطعت هذه الأيام الطويلة العمل في عملي وأنا مطمئن.

وأخيراً عندما حان وقت الرحيل فطلب ذلك الشيخ من الشيخ إلياس أن يدعو له. فقال له الشيخ: أيها الشيخ إن الدعاء للمسلم في غيبته هو في الحقيقة دعا الرجل لنفسه.

وفي الحديث: ((إذا دعا المسلم لأخيه المسلم الخير والفلاح فتقول الملائكة: ولك مثل ذلك)) فدعاء المسلم لأخيه المسلم في الخير هو في الحقيقة دِبرة يقينية في استدعاء الملائكة لنفسه.

(160) قال الشيخ رحمه الله: إن في هذه الدعوة لا بد من الملاقاة بجميع طبقات المسلمين والسعي في جلبهم إليها ضروري، أُحكي لكم حكاية حصلت معي فقال: إن أحد الشخصيات من العلماء البارزين المعروفين في ذلك العصر في العلم والفضل وه من تلامذة شيخ الهند مولانا الشيخ محمود الحسن الممتازين، بأنه مرة قال عن مولانا الشيخ............... نور الله مرقده كلاماً سيئاً وليس بصحيح قط، فتألم قلبي بسماعه ألماً شديداً فصرت أكره أن أرى صورته، فبعد عدة أيام من مشروعي في هذا العمل ليس بسديد مهما حصل أنه مؤمن مسلم فلا بد من فيوض شيخ الهند أيضاً تكن فيه وأنوار القرآن المجيد كذلك تكن لديه، فالشخص الذي لديه وجوه كثيرة من الخير فاختيار البعد من مثل هذا فهي مضرة لنفسي، فلذا الأفضل أن أذهب أنا بنفسي لزيارته، فبسبب كمالاته تلك الدينية يجب أن أكرمه فأما الكلام الذي أساءني وتألم قلبي به ربما كلامه ذلك هو سمعه من غيره تماماً كما قاله, وأن خطأه فقط بأنه ظنه صحيح وقاله في موضوع عام, أو ربما يكون خطأ اجتهادي حصل منه في هذه القضية مهما كان ليس هذا من الأخطاء التي يسببها يصح مقاطعته مني.

قال الشيخ:هذا الكلام كله أفهمتُ نفسي وأنا جالس في خلوة لوحدي وفي ما أجاب نفسي عن هذا الكلام من الحجج رددتها كلها بالأدلة الشرعية وذكرت الأجر والثواب الوارد في النصوص في فضل زيارة المسلم وإكرامه وذكَّرت بها نفسي.

فأخيراً عزمت أن أذهب إليه بنفسي لزيارته, ثم ترددت أن أذهب إليه لزيارته شرعية محضة أم لغرض الدعوة إليه أعنني أيهما أفضل وأحب إلى الله فقررت أخيراً أن أنوي الزيارة وكذلك الدعوة كليهما لأتحصل على أجرين كاملين إن شاء الله فقد حصل هذا. فكانت هذه الزيارة سبباً لكثير من البركات و الفوائد الكثيرة.

161- وقال الشيخ في نفس الموضوع: إن بعض الخواص غير راضين مني بسبب تصرفاتي وهي أنني أحب أن أزور جميع طبقات الناس وجميع أنواع أحزاب المسلمين بخصوص هذا العمل الديني, وأرغب في ملاقاتهم وأرغِّب رفقائي في ملاقاتهم ولكن مع تحملي لهؤلاء الخواص واعتباري بهم بأنهم معذورون أنني أسعى في أن أجلبهم إلى هذا العمل سعياً كاملاً وأعتبر هذا السعي جزء من الشكر الواجب علي.

وهم يظنون أن هذا الأسلوب خلاف لطريقة ومذاق شيخنا (1) نور الله مرقده وكذا قولي في هذا أن الفصل الذي ثبت بالأدلة والتجارب بأنه لا نافع ومفيد للغاية للدين فتركه بحجة أنه لم يفعله شيخنا خطأ كبير لأن الشيخ شيخ فقط فليس برب.

(162) قال الشيخ: إِ ن توجهي إلى عمل الدين (حركة الدعوة و التبليغ العمومية لاصلاح الأمة) بتأييد خاص من الله تعالى, فبفضل من الله وكرمه كنت احمل بعض الخصوصيات فان بعض الخصوصيات فان بعض المشايخ الكبار الذين كانت لديهم شكوك في عملي هذا لعدم تحصيلهم المعلومات الكافية عن عملي مع هذا فلأجلي اختاروا السكوت ولم يظهروا اختلاف رأيهم.

فالخصوصيات هي: أن علاقتي الاستفادية كانت من جميع مشايخ كل زمان (1)فالحمد لله, فجميعهم أكرموني وكلهم اظهروا اعتمادهم على.

ثانيا: أن والدي رتبته عالية وكان من المشايخ المتفق عليهم وكان أهل العلم واصحاب الطبقات المختلفة المختلفين فيما بينهم كلهم كانوا متفقين في شخصيته.

الثالث: أن عائلتنا صاحبة مكانة خاصة وعزة وجاه.

(163) قال الشيخ: بلغوا عني العلماء الحقة بأدب واحترام هذه الرسالة: إن ما ورد فيكم حسن الظن والاتجاه نحو حركتي هذه فهو أما بسبب السماع من هؤلاء الميواتيين المساكين الجهال أو بمشاهدتهم للتغيرات الإصلاحية في هؤلاء الذين قد كانوا من قبل يعبدون الروث فلذا انهمحتي الذين كانوا ارذل من المشركين السابقين (لأنهم كانوا يعبدون الأصنام من الحجر النظيف) فبسماع أو بمشاهد مثل هؤلاء لا يتمكنون من إدراك غاية العمل فان الشخصيات التي مثلكم لو تفهمون العمل مباشرة مني لعلمتكم اصل قدر هذا العمل وقيمته عند الله.

(164) قال الشيخ: المقصود من حركتنا هذه أن يغلب حرص الدين على جميع ما سواه من حرص المسلمين, وبهذا الطريق (1) نولد توحيد المقصود وبترويج أصول (إكرام المسلم) نجعل الأمة كلها مصداقاً للحديث (المسلمون كالجسد الواحد).


(165) قال الشيخ: إن الضرورة القصوى في عملنا هذا هو أن نكون عاملين بالإخلاص الجماعي والصدق القلبي الجماعي ويكون الأمر) شورى بينهم ((1) وبدون هذا الخطر الكبير.

(166) قال الشيخ رحمه الله عند مخاطبة بعض الخدام: كان سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه يقول لأبى عبيدة ولمعاذ بن جبل رضي الله عنهما أنني لست بمستغن عن تنبيهكم وأنا أيضا أقول لكم أن كونوا ناظرين لأحوالي فما ترون في ما ينبغي فيه التنبيه فنبهوني عليه.

(167) قال الشيخ عندما كان القاصدون يقدمون من عند عاملي (2) سيدنا عمر الفاروق فكان يسألهم عن أحوال العاملين هناك, وكان يسألهم عن أخبارهم وكان المراد من الأحوال والأخبار الدينية وليس الأحوال الصحية التقليدية المعروفة هذه الأيام.

فلذا عندما سئل أحد القادمين من عند أحد العاملين عن أحوال ذلك العامل فقال: انه ليس بخير أنني رأيت في صفرته أكله ادامين بنوعين فعلم من هذا أن استقامتهم على الحياة التي تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها إنما هي المعيار الأساسي عندهم.

(168) قال الشيخ: إنما طلب الفضل من الله وطلب الرزق منه واجب, واما طلب أجرة العبادات والصالحات والخدمات وغيرها منه في الدنيا حرام.

(169) قال الشيخ: فان تكفير المسلم ضلال قطعيا وحكم خلوده في النار بسبب كونه غير مستقيم أمر ثقيل جدا إنما أصول كفر دون كفر هو الصحيح.

إنما المعاصي كلها فروع للكفر وأولاده.

وكذلك جميع المعروفات آل وأولاد للإيمان.

(170) قال الشيخ رحمه الله: (في شرح) قوله تعالى) اتخذوا دينهم لهوا ولعبا (أن تعمل الأعمال الدينية بدون أي مقصود أو تعمل لغير إطاعة أوامر الله ولغير طلب رضاه ولغير حصول الثواب الأخروي فهي من جعل الدين لهوا ولعبا.

(171) قال الشيخ في " ظن المؤمنين خيرا " وان حسن الظن من العبادة إنما أمر بهذا في حالة عدم الإرادة في التعامل معه فحينئذ يعامل بحسن الظن فقط واما إذا أراد التعامل فحينئذ الجزم سوء الظن.

فلعدم فهم الفرق بين محامل النصوص يقع المسلم في سوء الفهم.

(172) قال الشيخ: أن رجالنا العالمين في عملنا عليهم أن يحفظوا في أذهانهم جيدا أن يركزوا خاصة في العلم والذكر أكثر بكثير في فترة خروجهم للتبليغ في الأسفار إلى الخارج لأنه لا يمكن الارتقاء في الدين بدون الارتقاء في العلم والذكر وتكميلهما في هذا الطريق بالترابط مع كبراء هذا الطريق وحسب تعليماتهم وتحت إشرافهم.

أن علم وذكر الأنبياء كان حسب تعليمات الله تعالى لهم وعلم ذكر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كان حسب تعليمات رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم وتحت إشرافه عليهم ثم بعد ذلك لأهل كل زمان كان أهل ذلك القرن هم أهل العلم والذكر كأنهم هم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذا لا يستغنى في العلم والذكر عن إشراف الكبراء.

ومن الضروري أيضاً خاصة زمن الخروج إلى الخارج أن لا يشغل نفسه إلا في مشاغله الخاصة وهي كالآتية:

1- جولات التبليغ 2- العلم 3- الذكر 4- أن يتدرب في خدمة رفقائه خاصة الذين خرجوا وتركوا بيوتهم وعامة يخدم خلق الله جميعا.

5- أن يهتم في تصحيح النية و الإخلاص و الاحتساب ويكرر في تجديد ذلك الإخلاص والاحتساب مراراً أثناء سفره بأن خروجه هذا فقط لوجه الله تعالى ورغبة في نعماء الآخرة التي وعدنا به على نصرة الدين والخدمة وتحمل المشاق في سبيله - اعني أن يقرر في قلبه هذا التصور بأنه لو اصبح خروجي هذا خالصا مخلصا وقبله الله تعالى فإذا لا بد من حصول النعم التي وعدنا بها القرآن الكريم والأحاديث وهي فلانية وفلانية.

على كل حال يجدد تركيز فكره على اليقين بالمواعيد الإلهية ورجائها مرارا وان يربط عمله كله على نفس اليقين ونفس التركيز الفكري فهذا هو الذي يسمى بالإيمان والاحتساب وهذا هو روح أعمالنا.

(173) قال الشيخ: يا أسفا لم يبقى اليقين بوعود الله تعالى ولدوا فيكم اليقين والاعتماد بمواعيد الله تعالى.

ولا تأتوا بمعاني الوعود من عند أنفسكم لان عملكم وتجربتكم محدودة جدا, فان معاني وعوده فافهموها كما يطابق بشأنه تعالى, فاطلبوا منه بأن يأتينا ما وعدنا حسبما يليبق بشأنه وقدرته.

وان اصل حقيقة وصفة النعم الأخروية لا تستطيعون أن تقدروها وكيف يكون التقدير صحيحا ما دام ورد في الحديث القدسي في صفة ذلك النعم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

مع الأسف إننا ربطنا أملنا عن النعم الموعودة حسب عملنا وفهمنا معتمدين لمشاهدتنا وتجربتنا في هذه الدنيا على أمل القليل لقد حجرتم واسعا فان عطائه وفيضه يكون هو شأنه.

(174) قال الشيخ رحمه الله: إن مقدار ما قصرنا في العمل بمقتضى الآية) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (فمقدارها نقص من ظهور الآية:) خلقنا لكم ما في السموات والأرض (.

أعني مقدار النسبة التي نقصت من تعبدك فعلى نفس مقدار تلك النسبة نقص تمتعك من كائنات السموات والأرض, وانما جعلت الكائنات لخدمتك لانشغالك في طاعة وعبدية الله تعالى وفي نشر مرضياته فكلما تركت واجبك عدلت السموات والأرض عنك.

(175) قال الشيخ رحمه الله: أن المقامات التي علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريقة حصولها بالتفادي بالأرواح بل بالتفادي الروحي في سبيله بشوق وعشق. وما تحصل عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بافداء أنفسهم في سبيل الدين, فانتم تريدون أن تتحصلوا عليها ممتدين على فرشكم من الكتب.

(176) قال الشيخ: أن الانعامات والثمرات التي كانت تتعلق بإراقة الدم فعلى الأقل أن ينهرق فيه منا العرق.

(177) قال الشيخ: أن سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما مع انهما ضحيا بأنفسهما وقد بشرا من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبشائر الواضحة والمؤكدة, فالحال هناك انهما رحلا من هذه الدنيا باكيين.

(178) قال الشيخ: حب العمل الصالح وظنه بأنه يكفي من مباشرة العمل وغرر كبير, فهذه هي وظيفة الشيطان بان يجعل الآدمي قانعا على حبه فقط.

معنى هذا القول: أن حب عمل طيب ليس معنى هذا انه باشر ذلك العمل فعليا.

بل لا يؤدي حق ذلك العمل إلا بمباشرته فعليا لكن بعض الناس يغرهم الشيطان بإقناعهم بان حبهم لذلك العمل يكفي عن مباشرته فعليا فهذا من غرر الشيطان.

(179) قال الشيخ: أن حركتنا هذه عطاء للأعداء ومنع للأحباب فليأت إليها من له خاطر (1)

(180) قال الشيخ: أما الآن الكفر والإلحاد قوي جدا ففي هذه الأحوال لا يمشي العمل بالجهود إلا صلاحية المنفردة والمنتشرة.

بل لا بد من الجد والاجتهاد بكامل القوة الجامعية وقرأ:

) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا (.

(181) قال الشيخ: أن الحاجة شديدة جدا في التمسك بالعلم والذكر بالقوة الشديدة, ولكن لا بد من فهم حقيقة العلم والذكر.

حقيقة الذكر هو عدم الغفلة وتأدية الفرائض الدينية هي أعلى درجة الذكر, فلذا الانشغال في نصرة الدين والجد والاجتهاد في نشر الدين أعلى درجة الذكر بشرط أن يكون تأديتها بمراعات أوامر الله ومواعيده.

وأما الذكر النفلي (1) فللإنسان الذي لم يشغل أوقاته في الواجبات فلأن لا يضيع وقته في ما لا يعنيه فإن الشيطان يريد أن يعدم النور والرقي الذي يتحصل بالانشغال في الواجبات بأشغاله في ما لا يعنيه.

فالمقصود أن يعمر الوقت الفارغ بعد أداء الواجبات بالذكر النفلي, لان لا يشغلنا الشيطان فيما لا يعنينا فننضر منه.

(وفائدة خاصة هامة أيضا للذكر النفلي هي أن تتولد به شأن الذكر في الأعمال الدينية العامة, وتتولد به ملكة الامتثال بأوامر الله تعالى والعمل بشوق لوعوده سبحانه وتعالى وفي نفس الموضوع قال: الانشغال في الواجبات حتى أداء الصلاة لو لم يكن بالتركيز على أوامر الله ومواعيده لم يكن هذا ذكر اصلي, بل يكن ذكر الجوارح وغفلة القلب وأما في الحديث فعن القلب ورد: " إذا صَلُحَ صَلُحَ الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله " فالأصل الانشغال في الأعمال الصالحة بالتركيز في امتثال أوامر الله وفي مواعيده, هذا هو حاصل الذكر عندنا (1)

وأما العلم فليس معناه أن نعلم المسائل الدينية والعلوم الدينية فحسب (2), انظروا أن اليهود مع كونهم علماء شرعهم والعلوم السموية وكذلك كانوا يعلمون عن نائبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن نائبيهم اوصافهم علاماتهم إلى حد أن الخال الذي في أجسامهم كان يعلمونه فهل نفعتهم علومهم المحضة لهذه الأشياء؟

(182) وفي نفس الموضوع قال: الطريقة المحمدية التي كانت للعلم (يعني حصول العلم بالرغبة والتعظيم والمحبة بالصحبة والاختلاط وتعلم المعاملات بالتعامل) ومع خاصية ذلك العلم مهما زاد العلم يرتقي على قدره إحسان الجهل في نفسه واحساس ضعف تعليمه.


وأما الطريقة التي عمت الآن فنتيجتها مهما زاد العلم يتولد فيه الزعم اكثر منه ثم يتولد بالزعم الكبر والمتكبر لا يدخل الجنة (1). وعلاوة على هذا بعد الزعم لم تبقى الشهية لتحصيل العلم وبسببها يقف الرقي العلمي.

(183) أحد الأشخاص الذي سجل اسمه في الخروج مع جماعة التبليغ وأهدى مائة روبية فقبلها الشيخ وقال: تحدثني نفسي أن اقسم على نفسي أن لا اقبل مال الذين لم يودوا نصيب أنفسهم واموالهم للدين, ثم قال في نفس الموضوع أن إنفاق المال هو عبادة ولكن ليس هو المقصود بالذات بل شرع هذا الإنفاق بان لا تتولد العلامة الودية بالماء.

(184) قال الشيخ رحمه الله: في عهد سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه عندما وصل عند أم المؤمنين زينب رضي الله عنها نصيبها من مال الغنيمة (الذي من الغالب كان كثيراً حتى خشيت أن لا تتعلق به) فدعت الله راغبةً عنه قالت اللهم لا يدخل هذا المال بعد هذا الدار في هذا الدار فقد تحقق هذا - اعني أنها قد توفيت بعد.

(185)قال الشيخ رحمه الله: أن الإيمان هو أن العبد يحب ويرضى لما يحبه الله ويرضاه ويبغضه ما يبغضه الله ورسوله صلى الله علية وسلم والألم كما يكون بالسيف يكون بالإبرة فلذا كما أن الكفرة والشرك يبغض الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فكذلك المعاصي تبغض الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلذا لا بد أن تكون المعاصي تسيئنا وتؤلمنا.

(186) حضر هذا العاجز (مرتب الملفوظات) (1) يوما في حجرة الشيخ في وقت كان بعض الخدام الميواتيون يوضئون الشيخ لصلاة الظهر (وكان في آخر أيامه كان يوضئونه وهو مستلق على فراشه بسبب شدة ضعفه) فعند وصولي. قال الشيخ: إن سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه كان يجلس سيدنا عبد الله بن عباس مع أكابر الصحابة ومع هذا رأى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه مدة وبعده أيضاً قد رأى وضوء أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مدة مع هذه المنزلة أيضاً كان يوضئ سيدنا علي رضي الله عنه وكانت نيته من ذلك التعلم أيضاً.

(187) وفي أثناء الوضوء أشار الشيخ إلى الميواتيين الذين كانوا يوضئونه فقال لهذا العاجز: إنني كنت أقول لهؤلاء: إنكم تظنون بي أن صلاتي تكون أفضل فحبذا لو تنوون مع توضئكم للمريض أيضاً أن: اللهم إننا نظن أن صلاة عبدك هذا أفضل من صلاتنا فإننا نوضئه لأن يكون لنا نصيبٌ في ثواب صلاته.

ثم قال: إنني أرشد هؤلاء ولكن لو أن هذا أظنه أنا في نفسي بأن صلاتي أفضل من هؤلاء لأصبحت مردوداً، فلذا إني أدعو الله بهذا الدعاء: اللهم إن هؤلاء أهل القلوب الصافية يحسنون الظن بان صلاتي افضل من صلاتهم فلاجل هذا هم يوضئونني فبفضلك الخاص ولجبر خاطر وحسن ظن هؤلاء تقبل مني صلاتي واجعل في اجرها نصيبا لهم.

ثم توجه إلى الميواتيين الذين وضئوه فقال: قوموا بخدمة العلماء الذين لم يلتفتوا حتى الآن إلى تعليم الدين لقومكم - ما لي أنا - فإنني دائما اذهب دياركم وان لم تدعوني فسوف اذهب واما العلماء الذين لم يلتفتوا إليكم فان تقوموا بخدمتهم فهم أيضا سيقوموا بخدمة قومكم الدينية.

(188) قال الشيخ: لتكن خدمة الشيخ بنية وارادة أن تكون هذه الخدمة ذريعة التعود والتدريب لخدمة عباد الله تعالى.

(189) مؤكداً على الشورى قال الشيخ مرة: الشورى أمرٌ عظيم فإن وعد الله إنكم إذا جلستم جامدين للشورى فتتوفقوا للرشد قبل أن تقوموا فقد ورد هذا المضمون في حديث ولم أحفظ حالياً أصل نص الحديث.

(190) قال الشيخ: إن سيدنا عمر رضي الله عنه وكذلك الصحابة الآخرون رضوان الله عليهم أجمعين دخلهم المادي كان جيداً وكانوا يقتصدون في الإنفاق على أنفسهم، كان أكلهم وشربهم هينٌ وعادي جداً بل كانوا يقضون حياة الفقراء ومع هذا كثيراً منهم رحلوا من الدنيا وهم مديونون لأنهم كانوا يصرفون جميع دخلهم في سبيل الدين وأصل مال المؤمن إنما هو لأن يصرف في سبيل الله.

(191) مشيراً إلى سرير موضوع على جانب غرفته قال الشيخ لهذا العاجز (المرتب): إن هذا السرير لجد والدتي وهو مستعمل بالتوالي (بعده حسبنا مدته فكان منذ 80 سنة (1)) ثم قال: إن البركة هي أن الشيء إذا كان من عاداته أن ينتهي في حالة ما، وفي وقت ما ولم تنهى فيه بل تبقى أكثر.

قال: إن الوقائع التي على بركة الطعام في بعض الأوقات بدعاء النبي صلى الله وهي من هذا القبيل بأن أصل الشيء كان يبقى ولا ينتهي.

(192) قال: إن معنى) كل يوم هو في شأن (إن الأفعال التي قد فعلها الله تعالى مهما بلغت من عظم شأنها ومن محيرات العقول فأكبر من تلك بالآلاف آلاف يستطيع أن يفعلها في أي وقت شاء، وأن قدرته الكاملة فعالة في كل وقت.

(193) حضر يوماً حافظ علي بهادر خان الصحفي البكريوسي صاحب جريدة (الهلال) اليومية المعروفة قادماً من بومبائي في مرض وفاة الشيخ لزيارته والشيخ مع ضعفه الشديد تكلم معه تقريباً نصف ساعة وقد تأثر كثيراً من كلام الشيخ وبعد عودته إلى بومبائي كتب عن تأثراته في عدة إشاعات بصحيفة الهلال وكتب عن شخصية الشيخ وعن دعوته الدينية وبين فيها عظمة وأهمية الدعوة والإصلاح والتبليغ وقد حرر كلاماً مؤثر الذي لا يتوقع في هذا الزمان من قائد وصحفي يحرره.

وإنني قد تحصلت على تلك الصحف بجريدة الهلال وإنني سُرْرتُ جداً بقراءة تلك المواضيع وإنني نويت أن أقرأها علي الشيخ ومن ثم أخذت تلك الصحف في يدي ودخلت على الشيخ في وقت مناسب آملاً بأن الشيخ عندما يرى في يدي الصحف فيسألني ما تلك بيدك فحينئذ أتمكن من أن أقول للشيخ ما في نفسي وأتمكن اسماع الشيخ تلك المواضيع.

ولكن خلافاً لما تأملت وما أردت لم يسألني الشيخ قط عما في يدي فبعد انتظار طويل لم أستطع الصبر فقلت: يا شيخ أنه قد سبق أن حضر من بومبائي حافظ علي بهادر خان في يوم كذا وأنه الحمد لله قد تأثر جداً في مجيئته هنا، وأنه قد حرر في صحيفته مواضيع تتعلق بعملنا التي اعترف فيها عظمة وأهمية هذا العمل فيظهر منها أنه فهم العمل كما هو حقه.

فلو تسمح لي أن أقرأ عليك لتسمع منها موضوعاً أو بعضه فقال الشيخ: يا هذا أن العمل الذي قد مضى فما لنا فيه وأما الذي قد عمل فكم من نقص حصل منا فيه وما أمثال الأخطاء التي حصلت منا فيه في التركيز وكم من نقص في إخلاص كان فيه وكم من تقصير وقع منا في التركيز على عظمة أوامر الله تعالى فيها.

وكم حصل منا النقص في تفقد آداب العمل وفي الجهد في اتباع الأسوة النبوية؟

يا هذا: فإن ذكر ومذاكرة الأمور الماضية والسرور على فعلها فمثلها كمثل المسافر الساري يقف وينظر إلى خلفه ويسر بمشاهدته.

تفقدوا الأخطاء في الأعمال الماضية واهتموا في كفارة تلك الأخطاء وفكروا في المستقبل ماذا نفعل؟ لا تنظر إلى شخص فهم كلامنا واعترف بها بل فكر كم من مآت الألوف وملايين من الناس الباقين الذين لم يصل إليهم دين الله - وكم من الذين علموا واعترفوا ومع هذا لم يقوموا للعمل بسبب نقص جهدنا.

(194) قال الشيخ: قد ورد الحديث في الصلاة إنها عماد الدين فمعنى هذا أن الدين الباقي كله معلق على الصلاة وانما يتحصل هذا الدين بالصلاة - ويتحصل بالصلاة تفقه الدين أيضا وكذلك التوفيق على العمل ثم الحصول على التفقه في الدين والتوفيق على العمل لكل شخص على حسب كيفيته في صلاته.

فلذلك أن الدعوة إلى الصلاة والجهد في تولد الخشوع والخضوع في الصلاة يعتبر سعيا للدين كله بالواسطة (1).

(195) قال الشيخ: إن العمل الذي يمكن أن يؤخذ من العامة المخلصين مع أن الأمل فيهم بأنهم يرتقون بذلك في درجاتهم وأجرهم، فتحريمهم من ذلك العمل وتنفيذه من تلقاء المسئولون بأنفسهم، فهذا ليس من النصح للعامة، بل هو ظلم عليهم من وجه، وهون لنظام الله الكريم، وهو (الدال على الخير كفاعله) وقال: إن العمل على الدين يحتاج لتفقه كبير.

(196) قال الشيخ: إن من أهم الأصول أن يدعى كل من طبقات الناس إلى الشيء الذي هو حق عنده حسب مستواه ويعتقد أنه هو ضروري عنده ويعتبره التقصير في نفسه فعندما يلتزم العمل في تلك الأشياء (التي يعتقدها عنده ضرورية) يتولد فيه الإحساس للأعمال الأخرى إن شاء الله تعالى بنفسه، ويتولد فيه الاستعداد لأدائها أيضاً.

(197) قال الشيخ: مهما كان أهل الحق (2)أكثر عدداً فعلى قدرهم حاجة الجهد في العمل فيهم أكثر ضرورة وأن قيامهم لأجل نشر الدين ضروري لأنهم هم الذين يتمكنون بأن يصبحوا أصلاً وعروقاً (1).

(198) قال الشيخ: يا أسفا ! إننا نحن ننظر إلى الذين لم يعملوا للدين وهم غافلون عنه فنقتنع على سعينا وحركتنا اليسيرة ونطمئن بها ونحسب أننا قائمون بأداء حقنا.

ولكن كان من المفروض أن تكون أسوة الذين ضحوا بأنفسهم للدين دائما بين أيدينا فنرى أنفسنا دائما مقصرين - وان نكون دائما حريصين ومضطربين في عمل الأكثر فالأكثر - فإن عمر رضي الله عنه كان دائما حريصا على أن يبلغ درجة أبو بكر رضي الله عنه في خدمة الدين (2)

(199) قال الشيخ: فإن من آداب التبليغ أن لا يكون الكلام (في البيان) طويلا. وان يطالب الناس في الأول من العمل القدر الذي لا يرونه صعبا جدا أو حملا كبيرا لانه قد يكون طول الكلام وطول المطالبة مملا وسبباً للأعراض.

(200) قال الشيخ: إن كثيرا من الناس يظنون أن بلاغ الكلام هو التبليغ, وهذا سوء فهم كبير بل التبليغ هو أن يبلغ الدين بأقصى صلاحيته وكامل استعداده بحيث يؤمل فيهم أملا كاملا انهم يجيبونه إذا بلغوا وان الأنبياء عليهم السلام أتوا بهذا (1) التبليغ.

(201) قال الشيخ: أن درجة الفضائل قبل المسائل فإن بالفضائل يحتسب أجر الأعمال الذي هو محل الإيمان وبه يرغب الإنسان على الأعمال وانما يحتاج لاستعلام المسائل بعد ما يكون راغبا في أن يعمل, فلاجل هذا أهمية الفضائل عندنا اكثر.

(202) قال الشيخ: أن التجويد أحد أهم الأجزاء من منهج تعليم جماعات التبليغ أيضا أي قراءة القرآن بالتجويد أمر ضروري, ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن, والتجويد أصلا هو التغني بالقرآن الذي نقل من رسول الله صلى الله ليه وسلم حتى وصلنا. ولكن الوقت الذي نحتاجه للتجويد لا يمكن أن نحصل عليه في التبليغ فلذا نحاول في هذه الأيام أن يدرك الناس إحساس ضرورته وان يتعرفوا على مبادئ التجويد ليكونوا بعده راغبون في أن يتفرغوا لتعليمه مستقلا.

(203) قال الشيخ: دعوة الآخرين إلى دين الله وترغيبهم إليه من العبادات السرية لان عامة الناس لا يحسبونها عبادة - وفيها تعدية للدرجة الأولى التي هي من المبادئ الخاصة في العبادات الجهرية.

(204) قال الشيخ: المقصود من خدمة المشايخ في الواقع هو أن الأعمال العامة والبسيطة التي يستطيع الآخرون أن يؤدوها فعليهم أن يتحملوها عن المشايخ لتكن أوقاتهم وقواتهم فارغة للأعمال الكبيرة التي لم تكن تأديتها إلا منهم فمثلا إذا تحملت عن شيخ كبير أو عالم أو مفتي أعماله العامة التي تستطيع أن تعملها أنت فجعلت الشيخ فارغا عن همها فهؤلاء المشايخ الذين يؤدون من الأعمال الكبيرة مثل الإصلاح والإرشاد والقاء الدروس والأخبار الخ) فيمكن أن يؤدوها وهم مطمئنون ومركزون فيها. فبهذه الصورة يكون هؤلاء الخدم شركائهم في أجر تلك الأعمال الكبيرة ففي الواقع أن خدمة المشايخ سبب في الاشتراك في أجر الأعمال الكبيرة.

(205) قال الشيخ: فإن مقتضى المحبة أن تتوحد الرغبات والهوى بين المحب والمحبوب كاملة فإن شقيقي محمد (1) يحيى (رحمة الله عليه) ومع أنه كان بعيدا عن الخانقاه (2) ولكن كثيرا ما كان يحصل انه فجأة تتولد الشهية في نفسه أن يذهب إلى الخانقاه ويقوم ويذهب على الفور فعندما كان يفتح الباب كان يجد الشيخ الكنكوهي قدس سره جالساً ينتظره فقال: إن العبد إذا أحب الله من قلبه فحينئذ تكون نفس المعاملة فيكون رضا الله هو رضا العبد وما يكرهه الله يكرهه العبد. وطريقة توليد هذه المحبة هي اتباع الأسوة المحمدية لقوله تعالى) قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (.

(206) أن أهل الدين أو الذين ينتمون إلى الدين (1)مع كونهم ينتمون لهذا الدين ولم يبذلوا جهدهم في نشر الدين وإصلاح الأمة الذي هو مقتضى الإنابية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج من لسان الشيخ عن المذكور صفاتهم يوما أن هؤلاء يحزنونني كثيرا فبعد مقالته هذه صار يستغفر الله مدة طويلة. ثم قال الشيخ مخاطبا لهذا العاجز(2)إنني أكثرت في الاستغفار لانه خرجت من لساني كلمة إدعاء (3)بأنني يحزنونني هؤلاء.

(207) قال الشيخ: إن المساجد أولاد للمسجد النبوي الشريف فلذا يلزم أن تحي تلك الأعمال التي كانت حية في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وإن مسجده صلى الله عليه وآله وسلم علاوة على الصلاة كان فيه عمل التعليم والإصلاح وجميع أعمال شئون الدعوة وإنما كان بعث الوفود لتبليغ الدين والتعليم من المسجد حتى أن تنظيم أيضا كان من المسجد فنحن نرغب أن تحي وتسري جميع هذه الأعمال من مساجدنا أيضا بنفس الطريقة.

(208) قال الشيخ: أن الطريقة الصحيحة هي أن الأعمال التي يمكن من الناس الذين هم من الدرجة الدنيئة فتؤخذ منهم فإذا صارت تؤخذ الأعمال من الدرجة التي أعلى منهم ما دام الدرجة الأدنى موجودة وقائمة بتلك الأعمال فهذا خطأ كبير - فهذا كفران للنعمة وظلم على الدرجة الدنيئة (1)

(209) قال الشيخ: أن أهمية دعوة الدين عندي في وقتنا الحاضر بشكل لو أن الشخص كان في صلاة فيأتي شخص جديد وأراد أن يعود ولم يكن هناك أمل انه سيعود فحينئذ يجوز عندي أن يخرج هذا من الصلاة ويتكلم معه في الدين أو يصبره على الانتظار ثم يقوم يصلي.

(210) وفي نفس الموضوع قال: لا تجعلوا مرتبتي أرفع من رجل مؤمن عام وان تنفيذ أمري بناء على قولي فقط أمر غير ديني.

فاعرضوا أقوالي على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وانتظروا فيها لما كان موفقا فنفذوها على مسؤولية أنفسكم, إنما أنا أشير برأي فقط.

قال الشيخ: إن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول لأصحابه: إنكم حملتموني مسؤولية كبيرة فلذا عليكم أن تراقبوني فإنني أنا ايضاً أعرض لأصحابي بإصرار وإلحاح شديد بأن راقبوني فحيثما أخطأت سددوني وأدعو إلى الرشد والسداد.

(211) قال الشيخ: الانشغال في شيء يستلزم الإعراض عن كثير فيما سواه يعني إذا وجد الانشغال في شيء فلا بد من الانشغال عن أشياء أخرى كثيرة ثم قدرما كانت درجة الاهتمام في الاشتغال في الشيء فبقدرها تقل درجة الاهتمام في الأشياء الأخرى.

فتعليم الشريعة لنا بأن نستغفر الله في أواخر الأعمال الصالحة ففي رأي أن من سر هذا التعلم أيضاً هو أن بالانشغال والانهماك في العمل الصالح ربما حصل تقصير في تنفيذ أمر آخر بالذات إذا انشغل في شيء بكل عقله وقلبه فيغشى ذلك العمل على القلب فحينئذ يحصل التقصير في الأعمال الأخرى فلذلك أكد الذين يعملون في عملنا هذا وخاصة في أثناء أداء عملهم وفي خاتمة عليهم أن يلزموا أنفسهم على كثرة الاستغفار.

(212) قال الشيخ: لإنني أقول للعلماء أن بسير وخروج جماعات التبليغ وبجهدها لا يتمكن به في عامة الناس إلا تولد طلب الدين وقدره فقط وترغيبهم في تعلم الدين وأما تعليم الدين والإصلاح لا يمكن إلا بلطف توجه العلماء والصلحاء فلذا إننا في حاجة ماسة لتوجههم إلينا.

(213) ذكر في مجلس أحد المشايخ المعروفين في ذلك الوقت وهو صاحب قلم وخادم دين وقد نقد هذا الشيخ من طرف بعض الجماعات من أهل الدين لأنه قد صدر منه بعض الضعف في العمل الديني.

فقال الشيخ عن المذكور: أما أنا فإنني أقدر ذلك الشيخ وإن كان فيه ضعف في بعض الأمور فإنني لا أرغب أن أعلم عنه شيئاً لأن هذا بينه وبين الله فيمكن الشيخ عنده عذر شرعي في ذلك الأمر لأننا نحن أمرنا أن ندعو بأمر الله تعالى العام) ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا (.

(214) قدم أحد المشايخ الكبار المعروفين (من الذين كانت لي به علاقة إفادة دينية وإصلاحية (1)) من ولاية بنجاب إلى مدينة دلهي فحضر هذا العاجز في خدمته فذكرت له دعوة الشيخ الدينية وفصلت له أصوله وطريقته الوضعية ولعلاقتي معه الإفادية القديمة رغبته واستدعوته بأن يقضي بعض أيامه في مركز نظام الدين للتعرف على المزيد عن الدعوة الدينية.

فبعد ما سمع مني أصول الدعوة وطريقته الوضعية وسرعان العمل فأظهر على نفسه أثراً كبيراً، فقال: إنني حالياً لا أستطيع أن أقم طويلاً لأنني قدمت لثلاث أو أربعة أيام فقط، وأن الشيخ كذلك حالياً مريض فلذا الآن سأحضر لزيارته فقط وكنني قد نويت أنه إذا شفي الشيخ من مرضه وأراد أن يخرج للتبليغ إلى دورة مهمة فإنني سوف أقوم بالسفر معه وأنظر العمل، فعندما عاد هذا العاجز من بلد دلهي إلى نظام الدين فأخبرت الشيخ عما جرى بيني وبينه من الكلام فقال الشيخ: فمن مكايد الشيطان العظمى أنه يربط أمله في أداء عمل كبير في المستقبل ويسدد عن أداء عمل خير يسير الذي هو أداءه يكون من الممكن حالياً وأن الشيطان يريد أن يسدد العبد عن أداء عمل الخير الذي هو في إمكانه أداءه في الحال بأي حيلة، وأكثر الأحيان يفوز الشيطان في هذا المكر، ثم الشخص الذي كان رابطاً أمله في أداء عمل كبير بعد فربما لا يأتي على الشخص ذلك الوقت فتضيع الآمال كثيراً، وبعكس هذا إذا كان الخير ممكن في الحال وإن كان صغيراً - فمباشرته يكون سبباً وذريعة لمباشرة أعمال كبيرة. وكثيراً ما يحصل ذلك.

فالكيس والزكاوة هي أن يعمل الخير قدر ما يجده وفي أي وقت يجده وفي نفس الوقت الذي يتيسر عمله فيعجل به في نفس الوقت ويستفيد من الفرصة فوراً.

فعلى صاحبك ذلك أن لا يترك للبَعْدَيْن، وأن يقضى وقته هنا ما يمكن حالاً ولا يفكر قط في مرضي وما أدراك أن أداء العمل في هذه الحالة المرضية أضعاف أضعاف من عمل في الحالة الصحيحة وأن الوقت الهام لأن يأتي عندي هو هذا.

وقد كان أمر الله مثل ما قال الشيخ لم يتمكن ذلك الشيخ القيام في ذلك القدوم وما نوى مستقبلاً لم يستطع نفاذه وبعد عدة أيام وافاه الأجل إلى رحمته سبحانه، رحمه الله تعالى رحمة الأبرار الصالحين.

أقول: بحمد الله تعالى وتوفيقه قد تم تعريب هذا الكتاب وها أنا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم بجوار الروضة الشريفة ليلة الجمعة ليلة 29 من شهر شعبان عام 1419هـ.

Tags:
المشاهدات: 2505

التعليقات (1)

RSS خاصية التعليقات
philippines
السلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته،،،،

جزاكم الله خير علي ما تقومون به من خدمة الإسلام والمسلمين ، وعلي ما تبذلونه من أموالكم وجهدكم، نسأل الله أن يوفقنا إلي أصوب الأعمال والإخلص.

عذرا !!! لاحظت أن هناك خطأ كتابة في الدعاء، رقم (22) اللهم انصر من نصر دين محمد صلي الله عليه وسلم,

جزاكم الله خيرأ كثيرا
حفص , September 24, 2011

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

Site Translation

إحصائيات


mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterالزوار لأول مرة اليوم499
mod_vvisit_counterأمس886
mod_vvisit_counterهذا الأسبوع5851
mod_vvisit_counterالأسبوع الماضي6552
mod_vvisit_counterهذا الشهر17376
mod_vvisit_counterالشهر الماضي33773
mod_vvisit_counterالجميع736009

متواجدون(20 دقيقة منذ): 27
رقمك 38.107.179.208

المتواجدون

يوجد 9 زائر حالياً
عدد مشاهدات المحتوى : 824238

..:::: الزوار من أنحاء العالم ::::..